الأخبار الوطنيّة

المُفكر يوسف الصديق: قيس سعيّد يعتبر نفسه أذكى من الجميع

 

 

أن تختلف في الرأي معه أو أن يستفزّك بمواقفه أو إن كنت من شيعته في الفكر تناصره حيثما ولى وجهه فإنك وفي المقامين المتضادين ستحجب عمق الفكرة وحلاوة العبارة وموسوعية الاطلاع على التراث وعلى الراهن لدى يوسف الصديق.

«الشارع المغاربي» حاول عبر الحوار ان يسحب المفكر يوسف الصديق من ساحة الاشتباك والتوتر الأيديولوجي الضيق حول أدائه في الفضاء العام الى رحابة النقاش الحر، لأننا نعتقد أن الحوار الرصين هو سبيلنا للخلاص.

بداية كيف تنظر الى علاقة المسلمين بالقرآن اليوم ؟

لدي موقف اتمنى الّا يغضب الشعب التونسي لأنه في اعتقادي لا اقصد الاستفزاز اعتقد ان يكون للطفل سن معينة لتعلم القرآن.. و ليس من المعقول ان يتلقى الطفل الى حد سن 15 او 16 او 17 سنة في الكتاتيب او في تعليم القران المباشر بالمدرسة نصا قرآنيا حفظا دون ان يفهمه، لان الكم الهائل من المعارف التي تحتّمها جملة بسيطة مثل «ويل لكل همزة لمزة» او في اية مثل «قل اعوذ برب الفلق» مثلا .. هذا الكم الهائل من التاريخ ومن التفسير ومن معاني زمن لطف اللغة لا يمكن ان يكون في متناول طفل الست سنوات او العشر سنوات او الخامسة عشر سنة لذلك اعتقد ان نص القران نفسه وما يحيط به ضرورة من تاريخ وتفسير وبلاغة الى اخره لا يمكن ان يتحصل علية الطفل الا بعد قدر كبير من النضج.. لماذا تدرّس الفلسفة التي هي اسهل بكثير من النصوص الدينية في الاقسام النهائية بينما نعطي لتلميذ الاربع سنوات او العشر او 17 غذاء لا يمكن هضمه فكريا وانما استيعابه. وكأنك تقوم بحشو لا معنى له لافكار الاطفال دون ان يكون لهم القدرة على الاستيعاب والهضم. لذلك انا مع تدريس القرآن وبكل نجاعة لأنه نص مهم جدا ولكن ايضا انا مع تدريس النصوص الاخرى فمن العيب على الحضارة العربية الاسلامية ان يأتيها الامر بأن تعتبر التوراة تنزيلا هناك اية تقول «انّا انزلنا التوراة فيها هدى ونور» وان تعتبر الانجيل تنزيلا «انا انزلنا الانجيل فيه هدى ونور» (سورة المائدة) ونحن لا نعرف عنهما شيئا في مدارسنا لان مشايخنا القدامى وحتى المحدثون يقولون ان القرآن يجبّ ما قبله ولا فائدة لنا لمعرفة النصوص المنزلة الاخرى لانها نسخت من طرف القرآن ولان اهلها حرّفوها.. طيب درسونا كيف تم تحريفها لماذا لا يتم ذلك؟.

هل تقصد ان عمليتي التلاوة والتلقين تكبّلان القرآن؟

نعم هذا هو العجز الذي جعل العالم الاسلامي متأخرا نحن نجد اليوم استاذ يدرس العربية بالجامعة ولا يستطيع ان يفسر لك اية من آيات القرآن من الناحية اللغوية.. ما الذي فهمه مثلا من اية «واذا البحار سجرت» لا يقدر على الفهم طبعا علاوة على الاحاطة بهذه الاية وآليات تفسيرها لا يعرف تفسيرها ابدا وهو استاذ عربية.. هذه هي الفضيحة الكبرى التي تمتد من اندونيسيا الى السنغال طبعا مرورا بتونس لكن على الاقل تونس وصلت الى وعي كبير باهمية هذا النص وقبل كل شيء بأهمية فهمه وحتى تجاوز ما فسر لنا من قبل لا اقول تجاوز النص وانما بديهيا النص تعريفا بالنسبة لي هو النص الذي يجاوز ذاته يعني عندما كان علم الفيزياء في القرن السابع لما نزل القرآن يعتقد ان المجموعة الشمسية هي الوحيدة الموجودة في عالم الفلك جاءت اية «والشمس تجري لمستقر لها وكل في فلك يسبحون» فكانت الاية التي نستنفد بها معرفة الفلك لكن عندما علمنا ان هناك مليارات من المجرات وفي كل مجرة مليارات من المنظومات الفلكية اصبحت هذه الاية قابلة للتجاوز وانما ايضا تدعوني الى التجاوز اعطيك مثلا في قضايا اجتماعية عندما قرأ الطاهر الحداد الزيتوني ان وضع المرأة كان في القبائل العربية التي نزل فيها القران يسير بمقولة «الرجال قوامون على النساء». وعندما لاحظ الحداد اننا لم نعد قبائل ولم نعد بطون بل اصبحنا شعوبا وطرقات امتدت وطبائع وتغيرت تماما صدر عنه ما جلب له التكفير وان المرأة لا يمكن أن تكون خاضعة لهذه التشاريع التي استمدها الانسان من هذه الايات وانما ذهب الى حقيقة اعتقد انها ثرية جدا وأن القران ليس مصدر التشريع وانما هو مصدر الحث على اتباع المعروف كل الايات التي تقنن علاقات الناس ببعضها تستند ايجابيا للمعروف وسلبيا للمنكر اعطيك مثل اخر اكثر من الطاهر الحداد طرحت في سنوات مضت بكليات العلوم السياسية في فرنسا مسألة الاعدام مع عدد من المفكرين على غرار محمد اركون وعياض بن عاشور وبعض المهتمين بهذه المسألة من المسلمين والاجانب وخضنا فيها في البرلمان ومع ذلك لم ننجح في الغاء عقوبة الاعدام بينما اعتقد ان القرآن الغى حكم الاعدام عندما قال « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (البقرة 178)» يعني ان القانون الذي نتبع كُتب صراحة عن بني اسرائيل.

ما هي عوائق التعامل مع النص القرآني؟

هو اعتبار انني انا الذي اتلقاه لان الاهم هو المتلقي سواء الرسول محمد او انا المؤمن ولهذا الاهم كل مكونات البشر ولا بد له ان يتعامل معه كبشر وان يقدسه طبعا وان يعتقد انه قول إلهي وهذا من باب الاعتقاد ومن باب الايمان الذي لا يمكن ان ابرهن عليه ولكن عندما اعتقد ذلك اعتقد ايضا انه وجه لمسامعي لا لمسامع النمل وجّه لنظري وليس لنظر الفيل فكل مرة اصقل فيها قدرتي على التلقي اتجاوز هذا النص وما كنت اعتقد انه هو لان النص متحول الى يوم يبعثون وفي اعتقادي ان كلام الله متحول الا اذا نظرت إليه نظرة متحولة.

افهم من كلامك اننا لم نقرأ القران بعد؟

طبعا لابد ان نقرأه بما لنا اولا من احاسيس ثانيا من قدرات فكرية ثالثا من الواقع الذي حولنا وهو ما يجعل من الاسلام افضل دين توحيدي بالنسبة لي فقط لأنه اعلن لنا أن النبوة والرسالة قد انتهيا بعد محمد وقد ذكرت ذلك في كتاب لي باللغة العربية عن الفلاسفة ما قبل سقراط قلت فيه اذا كان محمد قد ختم النبوة اي قفلها فقد قفلها وهو خارجها وبذلك اصبح في مساحة كونية مساحة الفكر المشترك بين كل الانسانية وهذا يدفعنا الى ان نعتقد ان المسلم الحق هو الذي اتبع مراحل مختلفة. مرحلة البشر الذي يسفك الدماء انسان الغاب والانسان القديم الذي ذُكر في القران في الاية «أوَتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء» ثم نجد مرحلة المجتمع سواء لدي ديانة او وثني ثم مرحلة المؤمن ثم مرحلة المسلم والمرحلة الاخيرة هذه هي التي يجب على مسلم اليوم ان يفكر فيها وهي موجودة في القران بكثرة وبزخم كبير وهي مرحلة الانسان التي تجعل اي شيخ من شيوخنا اللوز او غيره او اي متطرف يجيب عن هذا السؤال: ان انت ذهبت الى الغابون او الى تنزانيا وتحادثت مع وزير خارجية يتعاون مع تونس او جاء الى تونس وهو وثني اتطبق عليه آيات قتل المشرك ؟ طبعا لا لانك ستتفاعل معه لا لانه مخالف لدينك او لانه يعتنق دينا آخر وانما لانه انسان يتعامل معك كانسان.. عبارة انسان في القرآن كلها ايجابية أو سلبية تؤكد لنا اننا في تناقض مثلما ورد بآية «يا ايها الانسان ما غرك بربك الكريم» او اية «ان الانسان لفي خسر» لكن اشياء اخرى تظهر الانسان تقريبا وهو يلامس منطقة الالوهية عندما يكون قد استوعب الامانة التي لم تقبلها الجبال ولا الارض ولا السماء فتقبلها الانسان وكان ظلوما جهولا لانه يريد الخروج من حدوده لذلك نحن الان في مرحلة الانسان ولسنا في مرحلة الخصم المشرك او المسيحي او اليهودي البوذي او الوثني.

هل نحن اليوم في حاجة الى اعادة كتابة التراث بما يتلاءم مع هذه القيم الكونية؟

خاصة تعليم الشباب لا يمكن ان نعلم الشباب بنفس الطريقة التي كان يتعلم بها الناس في القرون الوسطى وحتى ابن خلدون في القرن الرابع عشر وبداية القرن الخامس عشر كان قد استنفد تلك الطريقة في استيعاب القران على انه غير متحول.. القران متحول لأنني انا متحول ولان مسامعي تحولت ومعارفي تحولت ومشاغلي تحولت وعلاقتي مع الفضاء الجغرافي والتاريخ قد تحولت ايضا.

كيف تنظر الى الكتابات التي تخوض اليوم في مسألة الاسلام المبكر وتوصف بالجريئة جدا على غرار كتابات هالة الوردي؟

انا لا اتحدث عن زملائي الذين نجحوا في النشر واعتقد انه لكل انسان الحق في ان ينشر وان يترك للقارئ اثرا وللتاريخ مهمة ان يبقى هذا الكتاب او ان يزول. اعتقد انه كل ما قامت به هالة الوردي وكل من اعرف ولا اعرف من الكتاب هو يثري المكتبة العربية لمدة أو لحين او لاخر الدهر.

لكن هناك من يرى في بعض هذه الكتابات مس من قداسة الرسول كيف تعلق؟

اعتقد اننا تعودنا مع كاتبين مشهورين هما جورجي زيدان وملحم كرم على صنف من اصناف هذه الكتابة في التاريخ.

لكن هذه الكتابات تندرج ضمن الروايات التاريخية بينما تكتب الوردي بحوثا تاريخية..

كانا يعتمدان على وقائع تاريخية وهي ايضا فيها ما يجعل من الكتاب ان يُقرأ.. وهالة الوردي لم تقل يوما انها مؤرخة بل قالت انها موثّقة تعتمد على وثائق تشير اليها بطريقة واضحة لكن ألوم هالة على استسلامها لهتاف وتصفيق الغرب على ما تقول وتكتب وخاصة اوروبا وقد اخبرتها بذلك صراحة بأن تجعل لها درعا ضد من يصفق بسهولة على ما تكتب وكأنهم يريدون ان يقولوا لنا انظروا هذه شاهدة من اهلها تقول ان الاسلام دين قتل اذ لابد لها ان تقوم بصدّ هذه التهمة التي تأخذ شكلا احتفال في النشر الغربي ولا بد لها ان تكون في المجتمع العربي التونسي.

مثل هذه التهم صدرت عن مثقفين تونسيين ومن بينهم من قال ان كتاباتها موجهة للغرب وانها تكتب تحت الطلب؟

قرأت ملف «الشارع المغاربي» حول هالة الوردي وكتاباتها واحتراما لصداقتنا انا لست مع هذه التهم. وهذا النوع من التهجم على هالة ومن خلال منبركم ادعوها ان تعصم نفسها من هذه الاتهامات وان تُرِي الناس انها لا تخدم انتظارات الغرب حول الاسلام لان انتظارات الغرب حول الاسلام ظاهرة ومعروفة للعيان من ايريك زينور وولباك والسياسيين ولابد لها ان تتدرّع وان تقيم لها درعا ضد هذه الاتهامات التي ان لم تحم نفسها منها فللناس الحق في ان يعتقدوا انها صحيحة. بالنسبة لي هالة الوردي تتبع قراءة نقدية صحيحة تريد ان تدفع نحو قراءة معينة ومختلفة لحوادث الاسلام لكن كل ما قيل من نقد في ملفكم سيعتبره البعض صحيحا ان بقيت هي صامتة انا الوم عليها عدم ردها وليس بالضرورة على شخص معين.

في خروجك الإعلامي الأخير قمت بدقّ ناقوس الخطر وقلت إن شعبويّة قيس سعيد خطر على الديمقراطية وعلى الدولة .. فيم يتمثل الخطر؟

يتمثل الخطر في استفراد قيس سعيّد بالسلطة وبسن القوانين وبتحديد مستقبل البلاد .. ليس هذا فقط وانما ايضا لأنه يعتبر نفسه اذكى وأقدر وأصدق وأنجع من جميع التونسيين إضافة إلى انه ليس لديه من المراجع ومن السندين الفكري والتاريخي ما يخوله لذلك واظن انه لا عيب في ذلك.. كلنا محدودون ولكن علينا أن نختار في طيات التاريخ من يمثل الشعب التونسي ومن يمثل الفكر التونسي ومن نثق به ومن نعتقد انه يساندنا.. قيس سعيد وجد من السند ومن الترحيب ما يكفي لان يشتغل مع الناس وان يستشيرهم وان يستمع إليهم وهذا مع الأسف لم يحدث وقد يجعلنا غير قادرين على ان نتطلع او نستشرف الآفاق في تونس..

ما الحل حسب رأيك للخروج من هذا المأزق؟

في مجتمعات اخرى يفكر البعض في الحل العنيف بكل الطرق، لكن من حظ تونس انها ليست عنيفة وانها لا تذهب الى العنف الا في الحالات القصوى .. نتمنى الّا نكون في الحالات القصوى وأن يأتي الفرج عن قريب حتى لا يضطر التونسي والتونسية الى التعبير عن يأسه باللجوء الى العنف.

عن أي عنف تتحدث؟

أقصد العنف الاجتماعي أو كأن نلجأ إلى الاقتتال في ما بيننا أو إلى التطاول على الدولة وهو في تقديري أكبر عنف ولا بد لها حينها ان تدافع عن نفسها وعن جودها وعن مؤسساتها ولا بد لهذا الوضع أقصد التطاول على الدولة والدفاع عن نفسها ان يتم باللجوء الى العنف .

هل يمكن الحديث هنا عن حرب أهلية؟

طبعا هذا ممكن ولكن نتمنى ألا يحدث ذلك .. لكن كل الشعوب وحتى الصديقة والشقيقة والمجاورة عرفت هذه الأوضاع لأن الدولة لا تستمع لنبض الشعب ولشكواه وخاصة لحيرته لأن المولّد الاكبر للعنف الاجتماعي يتمثل في عدم قدرة الشارع او الشعب على الاجابة عن بعض الاسئلة الحياتية والفورية وهذا ما نحن عليه الآن..

عبّرت بعض النخب بعد 25 جويلية عن مخاوفها من امكانية الانزلاق من جديد في طريق الاستبداد.. ما تعليقك؟

لحد الان لم تتوفر مظاهر الاستبداد نحن نتحدث ونستمع لآراء مضادة عما يمارس رئيس الدولة او ما تمارس الدولة من اشياء غامضة ولا نرى ان الدولة اضطرّت الى الاستبداد بالمعنى الفاشي او بالمعنى الدكتاتوري او بالمعنى الاستبدادي لكن السؤال المطروح: إلى متى؟..

ولكن الشعبوية تؤدي أحيانا إلى الفاشية؟

الشعبوية أصناف على الأقل صنفين. هناك شعبوية يستسيغها الشعب ويستطيع ان ينتظر بها الاتي وان يصبر على ما يرى وهناك شعبوية تقود الشعب الى ان يندرج في برنامج المستبد.. كأن نفكر مثلا في مآل نابليون الذي اعتمد الشعبوية معتبرا ان فرنسا دولة قوية وقادرة على ان تحكم العالم.. وهذا لا نراه اليوم من قيس سعيد لانه يريد ان يستفرد بالحكم في ذهنه ولصالح تونس ولمقاومة الفساد وكل الادبيات التي نسمعها منه الان ولازال متشبثا بحريات التونسيين وبحقهم في الكلمة وفي النقاش وبحقهم في أن ينقدوه نقدا لاذعا مثلما نفعل الان وكثير من الناس وحتى الحركات التي تنادي بواقع «الانقلاب» الى آخره فهي تتمتع إلى حد الان بحرية الكلمة وبحريّة التحرّك وبحرية التنقل وبحرية الانتظام.

على مستوى وطني تتعقد المسألة اليوم أكثر سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، هل نحن مقبلون أيضا على انهيارات اخرى؟

طبعا نحن في الانهيار باعتراف رئيس الدولة الذي نظر مؤخرا في مشروع الميزانية وعلّق وكأنه يتبرأ من ذلك وعلّق وكأنه مكره على ذلك وطبعا في ذلك شيء من الحقيقة فهو يرث على الاقل عشرية كاملة من الانهيار ومن الانخراط في اللحظات الاولى مما سميناه وسميته شخصيا ثورة .. نحن ننزلق نحو الانهيار و25 جويلية مثل لحظة منعطف لايقاف هذا النزيف لكنه لم يوقف الازمة بل العكس عمّقها وجعلها خانقة ونحن الان في الانهيار الاقتصادي والاجتماعي لان فيهما انهيار المؤسسات والانهيار السياسي بصفة عامة.

في حوار سابق معنا وصفت الاسلام السياسي بالكوميديا السوداء ودعوت الى ضرورة التخلص منه.. فهل تخلصنا منه اليوم؟

ربما تخلصنا منه من الناحية السياسية وبدأ هذا التحرر من الاسلام السياسي منذ ثلاث او اربع سنوات على الاقل اي منذ عزوف الناخب عن انتخابها هي وتوابعها حتى اضطرت حركة النهضة الى خلق توابع لها على غرار ائتلاف الكرامة ولكن اعتقد ان هذه المسألة فكرية اكثر من سياسية لا يمكن ان تكون السياسة مرتبطة بالمسألة الدينية وبالدعاية الدينية .. هذا يضر اولا بواقع الدين ويضر ايضا بالسياسة وبالمجتمع. منذ بداية رحلة «طلع البدر علينا» وانا في حالة فزع دامت عشرة سنوات على ان يتأخر الذهن التونسي الى ما صارت عليه الشقيقة الجزائر منذ سنوات او مصر عندما استحوذ الاسلاميون على الحكم.

انا مستبشر لان التونسي عرف ان شعار الخوف من الله واقامة الدين على الاخلاق الى اخره خدعة واعتقد ان اخلاق المجتمعات قبل الدين كانت حول المبادئ الاخلاقية ولو لم تكن المبادئ الاخلاقية في الانسانية قبل الديانات لما تكونت الديانات ولما تطورت… تطورت من ديانات وثنية ملموسة وقبلية مثلما تعيش عليها بعض الدول الان في افريقيا الى اخره.. واصبحت شبه فلسفية مع التوحيد وهذا ناتج عن تعمق الانسانية في القيم الاخلاقية قبل الدينية. ثم جاء الاسلام السياسي وقلب المعادلة واصبح الدين مولدا للقيم. اعتقد ان القيم هي التي تولد الدين لذلك لابد من تعميق امكانات المجتمعات في التعايش وان يتطور الدين الى عمودية مطلقة اي ان يساهم في مولد الفرد في المجتمع لان الفرد ليس موجودا في مجتمعاتنا.

هل تخلصنا اذن من «كوميديا الإسلام السياسي» أم ليس بعد؟ وما هي لون الكوميديا التي نعيش اليوم؟

لا طبعا نحن لا زلنا مهددين الى اليوم. نحن نعيش كوميديا متعددة الألوان. كوميديا تبحث عن نفسها . تبحث عن شكلها عن طريقها، خاصة وذا وجدت طريقها فلابد لها ان تكف عن ان تكون مهزلة وان ترتقي الى العمل والجدية. لأن ما يحد من الكوميديا ومن المهزلة وما يحد من المهزلة المأساوية هو العمل ونحن لا نعمل..

وانت المختص في انثروبولوجيا الدين كيف تقرأ سقوط حركة النهضة بعد 25 جويلية؟

النهضة ضحية غرورها ولم تتوقع تلك الضربة. كانت تستبعدها تماما لانها تعتقد انها امسكت بمفاصل الحكم وان فعلت الكثير لكي لا يفلت منها الحكم وقد فعلت الكثير لتوظيف بعض الناس وبعض القوانين فهي تعتمد على كل هذا ولذلك كانت ضحية نفسها عندما اقرت بأن دستورها هو الاحسن في العالم بينما كنت انا من الاوائل الذي انتقدت ذلك في كتابي «الثورة المنقوصة» الصادر باللغة الفرنسية عن دار نشر «الفجر» في فرنسا منذ الايام الاولى وعندما كان منجي الرحوي والشيخ اللوز يتعانقان لتهنئة بعضهما البعض بالتوقيع على هذا الدستور… كنت من الاوائل عندما قلت ان هذا الدستور لا يصلح أبدا والان كل الناس يرون انه لا يصلح ومنهم من اعلن الغاءه على غرار الرئيس قيس سعيد ولا بد من تجديده وحتى القانونيين والمختصين في القانون الدستوري ممن صاروا يرون ان هذا الدستور لا يصلح لشيء وان كله مطبات وتناقض ولا يصلح ابدا. وحتى الفصل الذي اعتز به الكثيرون وهو الفصل السادس كنت من الاوائل الذين قالوا ان هذا الفصل لا يمكن تطبيقه قبل حتى قيس سعيد بسنوات وهذا ما دونته في الصفحات الاولى في كتابي «الثورة المنقوصة» وهذا لم يكن ممكنا لان النهضة لم تحدد تعريفا حتى في كلمة واحدة لهذه المقدسات. الدولة راعية للمقدسات. اذا كان من المفروض ان تكون كل المقدسات مثل ما جاء في نص القرآن الكريم عندما قال «وعلم ادم الاسماء كلها..» لكنه لو اكتفى بعبارة الاسماء من دون «كلها» لجاء المعنى منقوصا .. اذن خلقت اللغة في نفس الوقت مع الانسان أي مع ادم ولذلك كلما اعتمدنا هذا المفهوم يجب ان نضيف عبارة «كلها» ونتذكر انه بعد مرور ايام على صدور الدستور بفصله السادس عن حرية الضمير تم القبض على بعض شبان تمسّحوا وتمت قيادتهم الى مركز الشرطة والتحقيق معهم ولو ذكرنا ان الدستور يحترم ويحفظ ويضمن كل المقدسات لأصبح مثلا كتاب عن «الالحاد» في تونس كتاب مقبول في تونس ولا بد من احترام المعتقدات لان الالحاد اعتقادا ايضا وهو من المعتقدات التي لابد من احترامها. ما اقول الان اصبح امرا عاديا وبديهيا في البلدان الديمقراطية ما المشكل في انني لم اصل بفكري الى ان اعتقد انه ثمة خلق وثمة مبدع وثمة اخرة؟ او اني وصلت الى هذه النتيجة وهذا هو الالحاد او التحول الى البوذية او الى دين اخر توحيدي او غير توحيدي؟ بالنسبة لي لابد من احترام المقدسات الفردية لذلك اعتقد انه لابد من الغاء الفصل الأول.

دعوت سابقا الى جمهورية ثالثة شرط ان يتنحى الغنوشي عن البرلمان؟ اليوم وبعد الاطاحة به هل نحن امام جمهورية ثالثة وما ملامحها ان وجدت ؟

مسألة عدد الجمهورية تحدد بدستور مختلف جذريا عن الدستور الاول اي اختيار طريقة الحكم وممن تستمد السلطة وممن يستمد التشريع وممن ينفذ هذا التشريع فلو صار تحولا جذريا في هذا الامر لاصبحنا نتحدث عن جمهورية أخرى. شخصيا لا اعرف ما هي الجمهورية الثانية التي جاءت بعد نظام بن علي.. ولا اهتم بعدد رتب الجمهوريات اعتقد انها مسألة ثانوية واعتقد انه لابد ان يكون لنا جمهورية فعلية تؤلف بين المجتمع ومكوناته الفردية وتعتقد اننا ننتمي الى عصور والى مفاهيم قبلية وفي نفس الوقت نحن نتطلع الى ما بعد الحداثة وان ينظم المجتمع نفسه وعلاقاته مع الفرد وعلاقاته مع المؤسسات.. المسألة في اعتقادي اهم من ترتيب الجمهوريات الاولى او الثانية او الثالثة.

أخيرا ماذا تقول لقيس سعيد؟

أقول له يجب عليك أن تعتبرنا من لبنات تونس مثلك تماما. هو لديه مقام معين نحترمه طبعا. هو سيفنى ومقامه سيبقى.. مقام رئيس تونس ورئيس الجمهورية وخارج هذا المقام الذي سيبقى وهو سيفنى فهو لبنة في بناء البلاد مثلما نحن لبنات في بناء البلاد ولذلك يجب ان يدركنا كلبنات والا فهو ليس رئيسا وانما رئيس جمهورية هلامي ومجرد وبلا حضور.

نشر بأسبوعية “الشارع المغاربي” الصادرة بتاريخ الثلاثاء 11 جانفي 2022

annaharnews1

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى