صحة

علاجات مطورة لمرض فقر الدم المنجلي

علاجات مطورة لمرض فقر الدم المنجلي

تحسن جودة الحياة

الجمعة – 9 شهر ربيع الأول 1443 هـ – 15 أكتوبر 2021 مـ رقم العدد [
15662]

1634023152828823400

شكل تصويري لخلايا الدم الحمراء الطبيعية والمنجلية

جدة: د. عبد الحفيظ يحيى خوجة

ينتج الجسم خلايا الدم الحمراء الطبيعية، التي تكون مرنة ومستديرة تتحرك بسهولة من خلال الأوعية الدموية. أما في حالة فقر الدم المنجلي، فتصبح هذه الخلايا جامدة ولزجة وتتشكل مثل المنجل أو أقمار الهلال، وتكون غير منتظمة الشكل فتتعثر في الأوعية الدموية الصغيرة، ويمكنها أن تبطئ أو تمنع تدفق الدم والأكسجين إلى أجزاء من الجسم. وتموت الخلايا المنجلية عادة خلال 10 – 20 يوماً، ما يترك نقصاً في خلايا الدم الحمراء مسبباً (فقر الدم)، خلافا للخلايا الطبيعية التي تعيش 120 يوما، ثم تستبدل.
وقد عقد في مدينة الرياض يوم الجمعة الماضي، مؤتمر طبي تحت عنوان «مستجدات علاج الأنيميا المنجلية» بتنظيم من شركة «نوفارتس السعودية» للأدوية، وأعقب ذلك عقد مؤتمر آخر صحافي، حضره ملحق «صحتك» بـ«الشرق الأوسط»، وأجريت لقاءات مع عدد من المتحدثين في المؤتمر.
مرض وراثي
تحدث لملحق «صحتك» رئيس هذا المؤتمر الأستاذ الدكتور محمد حسن قاري استشاري وأستاذ أمراض الدم رئيس قسم أمراض الدم بجامعة الملك عبد العزيز رئيس الجمعية السعودية لأمراض الدم، رئيس ومؤسس الاتحاد العربي لأطباء أمراض الدم – وأوضح أن الجين المسؤول عن مرض الأنيميا المنجلية نشأ في منطقة غرب أفريقيا ثم انتشر إلى جميع أنحاء العالم مع هجرة السكان على مدى آلاف السنين. وبالمثل، يعتبر المرض من الجينات السائدة في المملكة منذ أن دخلها المهاجرون قبل آلاف السنين حاملين معهم هذا الجين، وشخصت أولى حالاته في المملكة في الستينات الميلادية، وأهم مسبباته زواج الأقارب.
وكانت المملكة سباقة لوضع البرامج الوقائية التي تهدف إلى اجتثاث هذا المرض بالكامل من مجتمعنا، ومنها برنامج فحص ما قبل الزواج، الذي بدأ منذ عقدين، وواكبه برنامج الفحص المبكر لجميع المواليد، فيتم فحصهم، ويتيح التعامل المبكر مع الحالات المكتشفة منهم.
وأضاف أن الأرقام في المملكة كبيرة جدا وتستوجب الاهتمام والرعاية وتوفير المستجدات الخاصة بهذا المرض وأهمها، الآن، وصول «عقار جديد» تم تسجيله مؤخراً ومتوقع أن يساهم إلى حد كبير في تخفيف معاناة هؤلاء المرضى.
كما تحدثت الدكتورة انشراح إبراهيم برناوي، استشارية أمراض الدم والأورام للكبار، رئيسة قسم أمراض الدم بمستشفى الملك فهد بالمدينة المنورة – وأوضحت عدم وجود إحصائية كاملة لدينا لجميع مناطق المملكة، ولذا نعتمد في إحصاءاتنا على المناطق، التي تشير إلى أن أعلى نسبة لمرض فقر الدم المنجلي موجودة في المنطقة الشرقية ومنطقة جازان. ففي المنطقة الشرقية مثلا، وجد أن نسبة حاملي المرض المنجلي 17 في المائة والمصابين به 21 في المائة وهذه تعتبر نسبة عالية لمنطقة واحدة، ورغم ذلك فإن طبيعة المرض في هذه المنطقة توصف بالخفيفة ((mild – phenotype SCD. أما المنطقة الغربية ففيها عدد كبير من المرضى، وتوصف طبيعة مرضهم بالشديدة (severe – phenotype SCD). أما المناطق الأقل في عدد الإصابات فهي الوسطى والشمالية.
الآن، أتاح لنا برنامج الفحص لما قبل الزواج إمكانية الحصول على إحصائيات لمرضى فقر الدم المنجلي، ونطمح مستقبلا لعمل التحليل لحديثي الولادة ونكون مواكبين للدول المتقدمة التي تعتمد إحصاءاتها على فحص المرض أثناء الولادة مباشرة.
أعباء ومضاعفات
> أعباء المرض. تحدثت الدكتورة هاجر يوسف المديهيم، صيدلانية إكلينيكية والمسؤولة عن الأدوية في وزارة الصحة أن الحديث عن أعباء مرض الأنيميا المنجلية يكون من نظرتين مختلفتين شاملتين، فبالنسبة لمقدمي الخدمة تتركز النظرة في تهيئة الخدمات والأدوية التي تقدم في المستشفيات، أما في النظرة الأخرى الشمولية أو العبء على الصحة المجتمعية كغياب الطلاب عن مدارسهم أو غياب الموظفين عن أعمالهم فهذه كلها أعباء تختلف أكثر عن مقدمي الخدمة بأربعة أضعاف مرة.
وأضافت أن الأنيميا المنجلية تؤثر بنسبة كبيرة جدا على المريض وحياته الأسرية والعملية وأيضاً الاجتماعية، فتقريبا أكثر من 80 في المائة من المرضى سوف يتأثرون من حيث دخول المستشفيات وما يترتب عليه من الغياب عن العمل والحياة ومعظم الالتزامات، ويكون المريض غير قادر على التفاعل حتى في مستوى الأسرة ويؤثر على نفسه وعلى أسرته وفي معايشته مع هذا المرض.
ونحن الآن في وزارة الصحة ندرس كيفية إدخال العلاجات الجديدة لهذا المرض إلى دليل أدوية الوزارة بعمل اتفاقيات ومشاركات مع الشركات، كما نضع أسسا وإجراءات وسجلات للمرضى الذين سوف يعالجون بهذه الأدوية لمتابعتهم والتعرف على النتائج المأمولة من هذه العلاجات.
> مضاعفات المرض. من جهتها قالت الدكتورة إيمان عايد الحازمي استشارية أمراض الدم وأحد المتحدثين في المؤتمر إن مرض الأنيميا المنجلية يؤثر على جميع أعضاء الجسم تقريبا، من الرأس وحتى أخمص القدمين. وتبدأ التأثيرات بشكل بطيء غير ملحوظ وتستمر مسببة أمراضاً مزمنة متعددة. وإجمالا فإن مرض الأنيميا المنجلية بتأثيراته هذه يؤثر على جودة حياة الإنسان، وتعامله في حياته الاجتماعية والعملية والدراسية.
خطوات العلاج
> خريطة طريق محدثة لعلاج الأنيميا المنجلية. تحدث الدكتور أحمد طراوة استشاري أمراض الدم، مدير مركز أمراض الدم في مدينة الملك سلمان الطبية بالمدينة المنورة رئيس جمعية الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لأمراض الدم – عن الوضع سابقا عندما كان 90 في المائة من الأطفال المصابين بالأنيميا المنجلية لا يصلون لسن الرشد نتيجة عدم وجود الإمكانيات في كل دول العالم، مقارنة بالوضع الراهن الآن حيث أصبحت نوعية حياة المصابين أكثر جودة وأفضل صحة ومعيشة بفضل توفر الرعاية الصحية والأدوية وتطور المهارات الطبية والصحية في مجال أمراض الدم، مما أدى إلى تحسين نسبة الوفيات والعمر الافتراضي للمرضى، وتخفيف أعباء المرض وتكاليف العلاج. ومن المتوقع في الـ10 – 20 سنة القادمة ألا تكون هناك مشكلة كبيرة اسمها الأنيميا المنجلية. وعندما نخطط لوضع خريطة طريق لإدارة علاج هذا المرض فإننا نستهدف تقليص الأعداد في المدن ذات النسبة المرتفعة مثل (الأحساء – القطيف – القنفذة ـ خيبر) التي 20 في المائة من سكانها حاملون للأنيميا المنجلية.
> خطوات العلاج: وهي تشمل:
– التوعية والتثقيف في موضوع فحص ما قبل الزواج.
– تقنية اختبار الأجنة وراثياً وبرنامج فحص الإنجاب عن طريق الأنابيب للزوجين الحاملين للمرض، الذي يعتبر برنامجا ناجحا ومناسبا جدا، ونحتاج للتوسع فيه أكثر، ليس في السعودية فقط بل حول العالم أيضاً، بهدف تقليل عدد المصابين بالأنيميا المنجلية. ولنا في تجربة مدينة خيبر (الواقعة شمال المدينة المنورة) خير مثال، فحسب إحصائيات مستشفى خيبر لم يعد هناك مواليد مسجلون بالأنيميا المنجلية على مدى السنتين الأخيرتين بفضل تطبيق هذا البرنامج.
– نقل الدم أو تبديل الدم، ما زال واحدا من أساسيات العلاج للأنيميا المنجلية.
علاجات مطورة
> عقار جديد. تحدثت الدكتورة هتون عزت استشاري أمراض الدم في مستشفى جونز هوبكنز أرامكو – مدير برنامج تطوير خدمات أمراض الدم في وزارة الصحة أستاذة مشاركة في علم أمراض الدم وزراعة الخلايا الجذعية جامعة بريتش كولومبيا في كندا – فأشارت إلى أن عدد الأدوية المتوفرة لفقر الدم المنجلي، لوقت قريب، محصور جدا ومنه العقار المعروف (هايدركسي يوريا) الذي يرفضه كثير من المرضى أو يأخذونه بجرعة غير مناسبة لتجنب مضاعفاته الجانبية.
وأضافت أن العقار الجديد اسمه (كريزان ليزوماب crizanlizumab) معترف به من إدارة الغذاء والدواء العالمية ومن هيئة الغذاء والدواء السعودية، يعطى في الوريد مرة واحدة في الشهر. وقد أثبتت الدراسة الأساسية التي أجريت في أميركا والبرازيل وجمايكا، أن استعمال العقار الجديد سواء لوحده أو مع العقار القديم «هايدروكسي يوريا: قلل حدة وكمية الألم الذي يؤدي للذهاب للطوارئ أو التنويم بما يعادل 40 – 45 في المائة وهي نسبة لا يستهان بها مقابل معاناة المريض.
ومن واقع الممارسة الإكلينيكية مع مرضى الأنيميا المنجلية، تؤكد د. هتون عزت أن النتائج التي حصلت عليها تتطابق مع نتائج الدراسة، ولم يكن هناك أي مضاعفات جانبية، وهي نتائج مبشرة جدا.
* سؤال: هل إعطاء هذا الدواء الجديد يغني عن الأدوية السابقة؟
– د. هتون: سؤال جدا مهم، ومن خلاله نبعث برسالة مهمة للمرضى بأن هذا العقار (لوحده) ليس هو الحل الجذري للمرض، وإنما جزء من العلاج الأساسي وهو: تخفيف الألم بالمسكنات، والارتواء، وتروية الجسم (خصوصاً في نوبات الألم الحادة)، الراحة، مراعاة المريض، مراعاة الالتهابات التي عادة تزيد من حدة الألم، بالإضافة للفحص الدوري لجميع الأعضاء، فنحن لا نريد أن ننتظر حتى يتفاقم المرض ويأتينا المريض ولديه مضاعفات.
* سؤال: إذن، ما هي الآلية التي يعمل بها هذا العقار خلافا للأدوية السابقة التقليدية؟
– د. هتون: لقد ثبت مؤخراً أن التصاقات الخلايا المنجلية الهلالية الشكل ليست بسبب الالتصاق واللزوجة بين بعضها البعض فقط وإنما يكون الالتصاق مع خلايا الدم البيضاء والصفائح فتسبب تجلطات والتهابات. وهذا العقار الجديد يعمل كمضاد أحادي النسيلة موجه (targeted monoclonal antibody) مصمم من الدرجة الأولى لمنع عمل ما يسمى (بي سيلكتن P – selectin)، وهو العامل الذي يجعل الخلايا تلتصق ببعضها، فيمنع التفاعلات بين الخلايا البطانية والصفائح الدموية وخلايا الدم الحمراء وخلايا الدم البيضاء. وبذلك فهو يعمل على منع أو تقليل عدد مرات حدوث النوبات الحادة للمرض وبالتالي يساعد في تحسين جودة حياة المريض.
> زراعة الخلايا الجذعية. يشير الأستاذ الدكتور عبد الله حسين الجفري استشاري أمراض الدم والأورام عند الأطفال بمستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بالرياض والأستاذ المشارك في جامعة الفيصل بالرياض أن الطب يتقدم بسرعة وبشكل كبير خصوصاً في مجال الشفاء والعلاج القطعي النهائي من مثل هذه الأمراض.
وأصبح العلاج بزرع الخلايا الجذعية أو النخاع العظمي متاحا لكل المواطنين السعوديين. ولكن يجب أن نعي أمرا مهما، فليس بالضرورة أن تعمل الزراعة لكل شخص مصاب بالأنيميا المنجلية، فهناك شروط ومواصفات معينة يجب أن تتوفر وهي: السن المبكر، وجود متبرع مطابق (النسبة في المملكة مرتفعة حوالي 60 في المائة وتكون نسبة الشفاء عالية قد تصل إلى 90 في المائة)، حصول مضاعفات خطيرة للمريض، إضافة إلى ضرورة توفر فريق طبي متكامل ومؤهل، إلى جانب طبيب الدم، لمعالجة المريض من نواحي مختلفة منها طبيب الألم، طبيب القلب، طبيب العيون، طبيب الكلى، طبيب أي جهاز موجود في الجسم ليتعامل مع أي مضاعفات قد تحصل.
وقد وصلت نسبة النجاح في تجربة مستشفى الملك فيصل التخصصي للزارعين وعددهم أكثر من 150 حالة، شفوا من المرض تماما ولا يتعاطون الآن أي نوع من الأدوية وأصبحوا يمارسون حياتهم طبيعيا.
> العلاج بالجينات: هو العلاج النهائي المنتظر والأحدث ويسمى «genetherapy» يتيح العلاج النهائي (مستقبلا) دون الحاجة للزرع الذي يتطلب توفر مواصفات محددة لدى المريض.

* استشاري طب المجتمع


الصحة



مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى