الأخبار الوطنيّة

لا يتجاوزون سن الـ 13: أطفال رُحّل على هامش الحياة بحثا عن حقول الرّعي

[ad_1]
طفل في سنّ صغيرة جدّاً، يرعى الأغنام في السّهول والمرتفعات والحقول… المشهد قد يكون عاديّاً، ومتواصلاً في الزّمان والمكان، منذ عقود، وعلى امتداد ربوع الشّمال الغربيّ في تونس، ما جعله يصبح مشهداً متداولاً، معهوداً، طبّع معه كلّ مشاهد له…   عادة ما ارتبط رعي الأطفال للأغنام بمهن الفلاحة القديمة في التّاريخ، والّتي ترتبط أساساً بمشاريع فلاحيّة عائليّة، في المجال الرّيفي، تكون مورد رزق العائلة الأوحد، بامتلاكها، أو بالعمل فيها بمقابل زهيد، في أغلب الأحوال…   لكن عندما تصطدم هذه المهن مع فرضيّة تعرّض الطّفل للعنف الماديّ أو المعنويّ أو الجنسيّ، وإتاحة إمكانيّة تهديده بالتشرّد أو الإهمال أو التسرّب المدرسيّ، فإنّ مصلحته الفضلى باتت في الميزان. وذلك الحقل المزهر الّذي يلجأ إليه، لهواً وعملاً، قد يجعل المشهد تراجيديّاً قاتماً، لا خُضرة أو حقوقاً فيه…   أطفال رُحّل نحو الشّمال… يؤكّد المندوب الجهويّ للتّربية بالقصرين منصف القاسمي، في هذا الإطار، تسجيل ترسيم عدد من تلاميذ المرحلة الابتدائيّة في مدارس مختلفة، داخل السّنة الدراسيّة الواحدة، في ولاية القصرين، أو في ولايات أخرى، ويقضون كلّ ثلاثيّ في مؤسّسة مختلفة عن سابقتها، دون أن يباشروا تعليمهم بصفة منتظمة في كلّ مدرسة ينتقلون إليها أو يمرّون بها في رحلتهم. ويفسّر القاسمي هذه الظّاهرة على أنّ عدداً من الأطفال ينتقلون إلى الرّعي من معتمديّة إلى أخرى. ويشير محدّثنا، في تصريحه لموزاييك، إلى أنّ “رحلات رعي الاطفال الموسميّة”، والّذين تتراوح أعمارهم بين 6 سنوات و13 سنة، تنطلق عادة من مناطق القْويرة والمزيرعة من معتمديّة حاسي الفريد في ولاية القصرين، وهي المعتمديّة الأفقر في تونس، نحو مناطق القصور والدّهماني من ولاية الكاف حيث يتوفّر المرعى، وأحياناً نحو ولاية قبلّي للعمل في موسم جني التّمور. ويشدّد القاسمي على الدّور المؤسّساتي والمجتمعي المشترك، بين كلّ الهياكل والإدارات وغيرهما، لمكافحة مثل هذه الظّواهر الّتي تهدّد شريحة من الأطفال.   الأطفال الرّحل أعدادهم بالعشرات ويؤكّد رئيس مصلحة شؤون التّلاميذ بالمرحلة الابتدائية بمندوبية التّربية بالقصرين كمال السعداوي، في تصريح لموزاييك، أنّ عدد “الأطفال الرّحل” في القصرين يعدّ ببِضع العشرات، وفق تصريحه. ويشير إلى التّنسيق المستمرّ بين مندوبيّة التّربية بالقصرين والمدارس المعنيّة بهذه الظّاهرة، وبقيّة الهياكل المتداخلة من خارج وزارة التّربية، للإحاطة بهذه الفئة الهشّة من التّلاميذ.   بين ترحال الأطفال والجرائم الخطيرة الّتي قد تُرتكب في حقّهم، خطّ رقيق فاصل… بدوره، أوضح مندوب حماية الطّفولة بالقصرين بوبكر العبّاسي، في تصريحه لموزاييك، تلقّي إشعارات في  هذه القضايا. ويشير العبّاسي إلى أنّ مثل هذه الظّواهر قد تؤدّي إلى جرائم خطيرة تهدّد الطّفل، مثل الاتّجار بالبشر أو مختلف أنواع الاستغلال.   ويقول محدّثنا إنّ هنالك صعوبات ترافق عمليّة إرجاع الطّفل المنقطع عن الدّراسة إلى مقاعد التّعليم، في وضعيّات “الأطفال الرحّل”، لصعوبة الوصول إلى أوليائهم، فعادة لا يتواجد الأب والأمّ في الولاية نفسها، ممّا يعطّل المسار كاملاً…   ويضيف العبّاسي “إنّ مسار التّعاطي مع الطّفل المنقطع عن التّعليم غير واضح، لتعدّد المؤسّسات المتداخلة فيه، ممّا يتطلّب تنسيقاً دوريّاً، وتواصلاً مستمرّاً بين هياكل وزارة التّربية، والشؤون الاجتماعيّة، والصحّة، ومندوبيّة حماية الطّفل.”   ويشدّد مندوب حماية الطّفولة بالقصرين على أنّ أهمّ سبب أنتج هذه الظّاهرة، تتمثّل في الوضعيّات الاجتماعيّة الهشّة الّتي تعاني منها عائلات الأطفال الضّحايا.   كلفة نفسيّة كبيرة تهدّد “الأطفال الرحّل” من جهة أخرى، تلمح الإخصائيّة في علم النّفس مريم همّامي إلى خطورة ظاهرة ترحال الأطفال على ضحاياها على مستويات عديدة.   وتضيف المتحدّثة “إنّ هذه الحوادث قد تؤثّر على الطّفل على المستوى المعرفيّ؛ فتتراجع قدرته على الابتكار والإبداع، وكذلك على المستوى العاطفيّ ممّا قد يعرّضه إلى الاكتئاب في بعض الحالات، وللشّعور بعدم الاستقرار وبانعدام الثّقة في النّفس.”   وتشدّد الهمّامي على الكلفة الاجتماعيّة للظّاهرة التّي تعرّض الطّفل الضحيّة إلى التنمّر من المحيطين به، ممّا يؤدّي به إلى العزلة والانطواء، أو التّعبير عن الغضب بالعنف أو بسلوكات محفوفة بالمخاطر… إقطاعيّة زمن ما بعد الحداثة قد يستمرّ مشهد ترحال الطّفولة لرعي الأغنام، أو غيرها من الهن في أراضي الغير، ما استمرّت هشاشة محيط الطّفل. وقد تكبر كرة الثّلج بانشغالنا بما هو سياسويّ صرف، أو بتشعّب تداخل هياكل عديدة في مشكل معقّد ومركّب، رغم كلّ النّصوص الّتي تحمي الطّفل. وقد يعيدنا المشهد نفسه، إذا ما دقّقنا التأمّل فيه والبحث في تفاصيله، وخصوصاً عندما نكتشف أنّ بعض الأطفال الرّحل وعائلاتهم يرعون قطعان الغير، مقابل المأوى وبعض الدّنانير يوميّا، قد يُعيدنا إلى زمن الإقطاعيّة المنتهكة لكلّ حقوق النّاس الماديّة والمعنويّة، والمتربّصة بأحلامهم في مهده… برهان اليحياوي

[ad_2]

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى