صحة

لصحة القلب… أغلق الستائر وأبقِ الإضاءة خافتة أثناء النوم

التعرض للضوء يزيد من النبض ومقاومة الجسم للأنسولين

الرياض: د. حسن محمد صندقجي

ذكرت دراسة أميركية جديدة، أن التعرض حتى للإضاءة المعتدلة أثناء النوم ليلاً، مقارنة بالنوم في غرفة مظلمة أو مُضاءة بشكل خافت، يضر بوظيفة القلب والأوعية الدموية ويزيد من مقاومة الأنسولين Insulin Resistance.
ووفق ما تم نشره ضمن عدد 14 مارس (آذار) الماضي في مجلة «وقائع الأكاديمية الوطنية الأميركية للعلوم» PNAS، أفاد باحثون من كلية الطب بجامعة نورث وسترن، بأن عدم إغلاق الستائر وعدم إطفاء جميع الأنوار قبل النوم، يمكن أن يضعف تنظيم مستويات الغلوكوز في الدم وسلامة القلب والأوعية الدموية. وكان عنوان الدراسة «التعرض للضوء أثناء النوم يضعف وظيفة القلب».

– ضوء صناعي
ووفق ما تفيد به الإحصائيات الطبية، يعد التعرض للضوء الصناعي أثناء النوم ليلاً أمراً شائعاً، إما من الأجهزة الباعثة للضوء في الأماكن المغلقة أو من مصادر خارج المنزل، لا سيما في المناطق الحضرية الكبيرة. كما تنام نسبة كبيرة من الأفراد (تصل إلى 40 في المائة) مع مصباح بجانب السرير مضاء، أو مع إضاءة غرفة النوم، أو بإبقاء التلفزيون قيد التشغيل.
وقال الدكتور فيليس زي، رئيس قسم طب النوم في كلية الطب بجامعة نورث وسترن والباحث الرئيسي في الدراسة «تظهر نتائج هذه الدراسة، أن من المهم أن يتجنب الناس أو يقللوا من كمية التعرض للضوء أثناء النوم». وأوضح ما ملخصه، أن هناك بالفعل أدلة علمية على أن التعرض للضوء أثناء النهار يزيد من معدل ضربات القلب عن طريق تنشيط الجهاز العصبي الودّي Sympathetic Nervous System، الذي يدفع القلب إلى حالة تأهب قصوى ويزيد من اليقظة لمواجهة تحديات اليوم. وقال الدكتور زي «تشير نتائجنا إلى وجود تأثير مماثل أيضاً عند التعرض للضوء أثناء النوم ليلاً». وذلك بزيادة معدل ضربات القلب في الغرفة المضيئة؛ ما يعيق الراحة التامة للجسم وبشكل صحيح أثناء النوم. وأضاف «هذه النتائج مهمة بشكل خاص لأولئك الذين يعيشون في المجتمعات الحديثة، حيث ينتشر بشكل متزايد التعرض للضوء الليلي الداخلي والخارجي».
وبمقارنة تأثير النوم مع ضوء بشدة 100 لوكس lux (ضوء معتدل) مع ضوء بشدة 3 لوكس (ضوء خافت)، وجد الباحثون أن التعرض للضوء المعتدل تسبب في دخول الجسم في حالة تأهب أعلى خلال النوم. وحينذاك، زاد معدل ضربات القلب، وكذلك زادت القوة التي ينقبض بها القلب، وزاد معدل سرعة تدفق الدم في الأوعية الدموية.
وقالت الدكتورة دانييلا جريمالدي، الباحثة المشاركة في الدراسة وأستاذة مساعدة في علم الأعصاب في جامعة نورث وسترن «لقد أظهرنا أن معدل ضربات قلبك تزداد عندما تنام في غرفة مضاءة بشكل معتدل. وعلى الرغم من أنك تكون نائماً، فإن جهازك العصبي اللاإرادي يتم تنشيطه. إن هذا أمر سيئ؛ لأنه عادة يكون معدل ضربات القلب مع معايير القلب والأوعية الدموية الأخرى، أقل في الليل وأعلى خلال النهار». وأضافت الدكتورة غريمالدي، أن المشاركين في الدراسة لم يكونوا على دراية بالتغيرات البيولوجية في أجسادهم في الليل، «ولكن الدماغ يستشعر ذلك. إنه حينئذ (حال التعرض للضوء الصناعي ليلاً أثناء النوم) يعمل مثل دماغ شخص نومه غير عميق ومجزأً. وبالنتيجة، لا تستريح فسيولوجيا النوم بالطريقة التي يفترض بها أن تكون».

– مقاومة الأنسولين
ومعلوم أن هناك نوعين من الأجهزة العصبية اللاإرادية، أحدها هو الجهاز العصبي الودّي الذي يتولى المسؤولية أثناء النهار، والآخر هو الجهاز العصبي اللاودّي Parasympathetic Nervous Systems الذي يتولى المسؤولية أثناء الليل. وتحديداً يكون الجهاز العصبي اللاودّي مسؤولاً عن الفعاليات التي تحدث في وقت الراحة والاسترخاء. وهو مُبطئ للقلب وموسّع للأوعية الدموية، ويعاكس بأدائه أداء الجهاز العصبي الودّي.
كما وجد الباحثون، أن مقاومة الجسم لمفعول هرمون الأنسولين، تزيد في صباح اليوم التالي عند نوم الشخص في غرفة مضيئة. ومعلوم أن مقاومة الأنسولين تحدث عندما لا تستجيب خلايا العضلات والدهون والكبد جيداً للأنسولين، وبالتالي لا يمكنها استخدام الغلوكوز من الدم للحصول على الطاقة. وللتعويض عن ذلك، يضطر البنكرياس إلى إنتاج المزيد من الأنسولين. ومع مرور الوقت، ترتفع نسبة السكر في الدم، ويحصل إنهاك متواصل للبنكرياس، وتزداد سمنة البطن في الجسم، ويرتفع ضغط الدم، وتزيد احتمالات الإصابة بمرض السكري وأمراض شرايين القلب.
وكانت دراسة سابقة نشرت في عدد 1 أغسطس (آب) 2019 من مجلة «جاما» للطب الباطني JAMA Internal Medicine، قد بحثت في ارتباط التعرض للضوء الصناعي ليلاً أثناء النوم ALAN مع مخاطر السمنة عند النساء. وقال الباحثون في نتائجهم «تشير هذه النتائج إلى أن التعرض للضوء الصناعي ليلاً أثناء النوم قد يكون عامل خطر لزيادة الوزن والسمنة». وهي ما علّق عليها الدكتور زي بقوله «الآن نعرض آلية قد تكون أساسية لشرح سبب حدوث ذلك. ونظهر أنه يؤثر على قدرتك على تنظيم الجلوكوز».
ويعدّ تعرّض الجسم للضوء وعلاقته بالصحة، سلاحاً ذا حدين. وقال الدكتور زي «بالإضافة إلى النوم الكافي والتغذية الصحية والتمارين الرياضية، فإن التعرض للضوء أثناء النهار هو عامل مهم للصحة، ولكن خلال الليل يظهر أنه حتى شدة الضوء المتواضعة يمكن أن تُضعف مقاييس صحة القلب والغدد الصماء». وتقول رابطة القلب الأميركية AHA«هناك ما هو أكثر من الحفاظ على صحة القلب من مجرد تناول الطعام بشكل صحيح وممارسة الرياضة بانتظام، إنه الحصول على قسط كافٍ من الراحة؛ لأن النوم ضروري لصحة القلب والأوعية الدموية الجيدة. وتشير الدراسات إلى أن قصر مدة النوم أو ضعف جودة النوم، مرتبط بارتفاع ضغط الدم، وارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم، وتصلب الشرايين. كما أنه مرتبط بسوء نوعية مكونات التغذية، وزيادة تناول الطعام، وزيادة الوزن، وارتفاع احتمالات الإصابة بمرض السكري، وزيادة نشاط العمليات الالتهابية في الجسم، وهو كله يمكن أن يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والسكتة الدماغية».
ولتقليل التعرض للضوء أثناء النوم، نصح الدكتور زي بالخطوات التالية:

– الضوء والظلمة والنوم… علاقة ثلاثية الأبعاد
> للضوء تأثير عميق على النوم من جهات عدة؛ ذلك أن التعرض للضوء في وقت مبكر من اليوم يحفز الجسم والعقل، ويشجع مشاعر اليقظة ويبعث تنشيط الطاقة. وبالمقابل، فإن الظلام ضروري للنوم؛ ذلك أن غياب الضوء عن الجسم مع مغيب الشمس، يرسل إشارة بأن وقت الراحة قد حان. ولكن التعرض للضوء في الليل يحفّز اليقظة وصعوبة النوم، ويمكن أن يشكل ذلك مشكلة مؤثرة على النوم الصحي والوفير والمنعش. كما يمكن أن يؤدي الظلام غير الكافي طوال الليل إلى الاستيقاظ المتكرر والمطول خلال فترة الليل.
ولذا؛ يؤدي التعرض للضوء في الأوقات الخاطئة (وقت الليل) إلى تغيير «ساعة النوم» البيولوجية للجسم. وهي الآلية البيولوجية التي تنظم دورات النوم والاستيقاظ. والميلاتونين هو هرمون النوم الذي يُنتج في الغدة الصنوبرية بالدماغ. ومع ارتفاع إنتاجه بفعل زوال تعرض الجسم للضوء، تبدأ الاستعدادات الفسيولوجية في الجسم للنوم. حيث تبدأ العضلات في الاسترخاء، وتزداد مشاعر النعاس، وتنخفض درجة حرارة الجسم. وتستمر مستويات الميلاتونين بشكل طبيعي في الارتفاع طوال معظم الليل، قبل أن تبلغ ذروتها في نحو الساعة 3 صباحاً. ثم تنخفض مستويات الميلاتونين خلال الصباح الباكر وتظل منخفضة خلال معظم النهار.

– كيف تقاس الإضاءة الليلية الخافتة أو المتوهجة؟
> يمكن أن يساعد فهم كيفية قياس الضوء في ضبط تعرض أحدنا للضوء بشكل أكثر تفكيراً، والتركيز على تحسين النوم.
وهناك نوعان من القياسات المهمة في عالم الضوء والظلام: لومن lumen ولوكس lux. ولومن هو قياس شدة الضوء أو سطوعه، عند مصدر الضوء نفسه. وعندما يتحرك الضوء من مصدره، فإنه يتشتت وتتغير شدة تعرّض الأجسام له، وهذا هو «لوكس». ولذا؛ فإن قيم اللومن تخبرنا بمدى سطوع الضوء عند صدوره من المصباح الكهربائي، وقيم لوكس تخبرنا بمدى سطوع هذا الضوء عند سقوطه على أجسامنا، أي «الضوء الساقط».
وللتقريب، وفي يوم صيفي مشمس، تكون شدة الضوء الساقط في حدود 150 ألف لوكس. وفي يوم غائم في فصل الشتاء، تكون شدة الضوء الساقط في حدود 1000 لوكس فقط. وفي الليل عندما يحل الظلام، تنخفض قيم لوكس. ويولد القمر قيماً أقل من 1 لوكس. وتتراوح الإضاءات المنزلية بين 300 و500 لوكس. وحينها ستؤثر قيم لوكس لبيئتك المنزلية في الليل على مدى سهولة استعداد جسمك للنوم.
وفي ساعات المساء، من المهم الحفاظ على الإضاءة المنخفضة في الحجرات المنزلية، أي أقل من 200 لوكس. ولو كانت نحو 100 لوكس فهي أفضل، أي إضاءة تسمح بالقراءة من كتاب محمول. وذلك للسماح لجسمك بانتقال فسيولوجي طبيعي نحو النوم. وبعد إطفاء الضوء، يجب أن تكون غرفة نومك مظلمة، بحيث لا تزيد شدة الإضاءة فيها على 5 لوكس.

– 3 آليات مفترضة لتأثيرات إضاءة النوم على القلب
> أوضح الباحثون، أن ثمة ثلاث آليات مفترضة ومطروحة لتفسير هذه التغيرات الصحية السلبية في القلب ووظيفة التمثيل الغذائي، جراء النوم أثناء تعرّض الجسم للضوء.
أولها هو التأثيرات السلبية لشدة تلك الإضاءة على جودة نوعية النوم Sleep Quality من جوانب: قياسات تخطيط النوم أو تخطيط النوم PSG، وتقليل وقت النوم الإجمالي TST، وكفاءة النوم SE، وزيادة الاستيقاظ بعد بداية النوم WASO، انخفاض كمية نوم الموجة الدماغية البطيئة SWS، وزيادة مؤشر الاستيقاظ AI. ومع ذلك، قال الباحثون «يبدو أن التعرض للضوء ليلاً له تأثير مباشر على تنظيم الغلوكوز وبشكل مستقل عن قلة النوم».
والآلية الثانية المقترحة لشرح ضعف التمثيل الغذائي للغلوكوز نتيجة التعرض للضوء ليلاً، هي عن طريق التغييرات التي يسببها الضوء في استقرار عمل نظام الساعة البيولوجية الذاتية Circadian System، بما في ذلك خفض إفراز هرمون الميلاتونين Melatonin (هرمون النوم). وقد أشارت العديد من الدراسات إلى أن قلة إنتاج الميلاتونين الليلي ترتبط مع الإصابة بمرض السكري وزيادة مقاومة الأنسولين.
أما الآلية المحتملة الثالثة، فهي تأثير التعرض للضوء على إثارة نشاط الجهاز العصبي اللاإرادي، وزيادة إفراز الكورتيزول، وبالتالي ارتفاع معدل ضربات القلب واضطراب التمثيل الغذائي للغلوكوز. وهو ما أكدته دراسات طبية عدة سابقة.



مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى