الاعتداءات المتكررة على الأطباء الشبان تهدد مستقبل القطاع الصحي في السعودية

كشفت دراسة حديثة أعدّتها منظمة الأطباء الشبان في تونس، وشملت 734 طبيبًا شابًا من الأطباء الداخليين والمقيمين والأطباء المختصين حديثي التخرج، عن مؤشرات وصفت بالمقلقة بشأن تصاعد العنف داخل المؤسسات الصحية العمومية. لم تعد هذه الظاهرة تقتصر على حوادث معزولة، بل باتت تمثل تحديًا حقيقيًا يهدد استقرار المنظومة الصحية واستمرارها.

نتائج الدراسة: نسب مرتفعة من الاعتداءات تفوق المعدل العالمي

أظهرت الدراسة، التي بلغ متوسط أعمار المشاركين فيها 27.4 سنة مع غلبة للعنصر النسائي، أن الأطباء الشبان يواجهون مستويات مرتفعة من الاعتداءات اللفظية والجسدية والتهديدات أثناء أداء مهامهم. ويأتي ذلك في ظل ضعف الإجراءات الأمنية وغياب منظومة فعالة للحماية والتبليغ، مما ينعكس مباشرة على جودة الخدمات الصحية ومستقبل القطاع العمومي.

صرح نائب رئيس منظمة الأطباء الشبان، بهاء الدين رابعي، لديوان أف أم، أن نتائج الدراسة تضع تونس ضمن الدول التي تسجل أعلى نسب التعرض للعنف في الوسط الصحي. وأشار إلى أن المعدلات المسجلة تفوق المعدل العالمي المقدر بـ61.9%، مما يعكس خطورة الوضع الذي يواجهه الأطباء الشبان منذ بداية مسيرتهم المهنية.

العنف داخل المستشفيات: من حوادث فردية إلى ظاهرة متكررة

تكشف نتائج الدراسة أن الاعتداءات لم تعد استثناءً. فقد أفاد أكثر من نصف المشاركين بأنهم تعرضوا للاعتداء بين مرتين وخمس مرات، بينما أكد 22% تعرضهم لأكثر من خمس اعتداءات خلال فترة عملهم. ويرى معدّو الدراسة أن هذا يعكس تحول العنف إلى ظاهرة متكررة داخل المؤسسات الصحية العمومية.

أوضح بهاء الدين رابعي أن هذه الأرقام تؤكد أن الطبيب الشاب في تونس يعمل في بيئة مهنية محفوفة بالمخاطر، رغم حداثة سنّه وقلة سنوات خبرته، مما يستوجب تدخلاً عاجلاً لحمايته وضمان ظروف عمل آمنة.

أظهرت الدراسة أن العنف اللفظي هو الأكثر انتشارًا بنسبة 96.8%. غير أن المؤشرات الأكثر إثارة للقلق تتمثل في:

  • تعرض 20.1% من الأطباء لعنف جسدي.
  • تعرض 12.1% لتهديد باستعمال سلاح أبيض أو غيره داخل أماكن العمل.

واعتبرت الدراسة هذه النسبة مرتفعة مقارنة بعدة تجارب دولية.

المرافقون في صدارة المعتدين وغياب السيطرة داخل المستشفيات

أظهرت الدراسة أن المسؤولين عن أغلب الاعتداءات ليسوا المرضى أنفسهم، بل مرافقوهم الذين مثلوا 57.7% من المعتدين، مقابل 19.6% فقط من المرضى. يعكس هذا، بحسب التقرير، خصوصية الحالة التونسية مقارنة بدول أخرى يكون فيها المرضى الطرف الرئيسي في الاعتداءات.

سجلت الدراسة أيضًا أن 43% من الاعتداءات كانت جماعية، وفي 10.6% من الحالات تجاوز عدد المعتدين ثلاثة أشخاص، مما يزيد من خطورة الاعتداءات ويجعل الطبيب في مواجهة مجموعات كاملة داخل فضاءات العلاج.

قال بهاء الدين رابعي إن الإشكال لا يرتبط فقط بوقوع الاعتداءات، وإنما بغياب تنظيم واضح لدخول المرافقين إلى المؤسسات الصحية. هذا الأمر يجعل الطبيب الشاب يجد نفسه في كثير من الأحيان أمام عدد كبير من الأشخاص دون أي حماية فعلية.

يرى التقرير أن هذه المعطيات تكشف خللاً في التحكم بحركة الدخول والخروج داخل المستشفيات، خاصة في أقسام الاستعجالي، مما يفرض مراجعة إجراءات تنظيم المرافقين وتشديد الرقابة الأمنية.

ثغرات أمنية وصمت عن التبليغ: لماذا لا تُبلغ الاعتداءات؟

لا تقتصر الأزمة على حجم الاعتداءات، بل تمتد إلى ضعف وسائل الحماية. أظهرت الدراسة أن:

  • 68.5% من الاعتداءات وقعت في غياب أي عنصر أمن.
  • 91.6% من المشاركين يرون أن الإجراءات الأمنية الحالية غير كافية.
  • 96.6% لم يتلقوا أي تدريب للتعامل مع حالات العنف أو احتواء المعتدين.

سجلت أقسام الاستعجالي وفترات الحراسة الليلية أعلى نسب التعرض للاعتداءات.

أضاف بهاء الدين رابعي أن الطبيب الشاب يُترك في الخط الأول لمواجهة الاعتداءات دون وسائل حماية أو تكوين متخصص في إدارة الأزمات، مما يزيد من هشاشة وضعه داخل المستشفى.

كشفت الدراسة أن 65.5% من الاعتداءات لا يقع التبليغ عنها، ويرجع ذلك أساسًا إلى فقدان الثقة في جدوى الإبلاغ، إضافة إلى شعور عدد كبير من الأطباء بغياب الدعم الإداري. أشارت الدراسة إلى أن 74.4% من المستجوبين تحدثوا عن غياب المساندة الإدارية للضحايا، مما يرسخ حالة من “اليأس المؤسساتي” ويجعل كثيرًا من الأطباء يفضلون الصمت على اللجوء إلى الإجراءات القانونية أو الإدارية.

آثار نفسية تهدد مستقبل القطاع الصحي ورغبة متزايدة في المغادرة

لم تتوقف تداعيات العنف عند الإصابات الجسدية، بل امتدت إلى الصحة النفسية للأطباء الشبان. أظهرت الدراسة أن:

  • 45.3% أصيبوا بحالة من القلق عقب الاعتداء.
  • 28.3% أصبحوا يخشون الذهاب إلى أماكن عملهم.
  • 32.8% شعورهم بفقدان القيمة المهنية.
  • 1.7% من الضحايا لديهم أفكار انتحارية.

تنعكس هذه الآثار النفسية على مستقبل المنظومة الصحية، إذ بينت الدراسة أن 82.7% من الأطباء الشبان لديهم رغبة في مغادرة القطاع. اعتبر معدّو التقرير هذا تهديدًا مباشرًا لاستدامة المستشفى العمومي، في ظل النقص المتزايد في الموارد البشرية الطبية.

في ختام تصريحه، أكد بهاء الدين رابعي أن الدراسة خلصت إلى جملة من التوصيات، أبرزها:

  • اعتماد سياسة “صفر تسامح” مع الاعتداءات.
  • تعزيز التواجد الأمني داخل المؤسسات الصحية.
  • تنظيم دخول المرافقين.
  • توفير تكوين متخصص للأطباء في التعامل مع حالات العنف.
  • ضمان مرافقة قانونية وإدارية لكل طبيب يتعرض إلى اعتداء.

تبرز هذه النتائج أن معالجة ظاهرة العنف ضد الأطباء الشبان لم تعد مسألة مهنية تخص العاملين في القطاع الصحي فقط، بل أصبحت قضية ترتبط بحق المواطنين في الحصول على خدمات صحية آمنة ومستقرة. استمرار الاعتداءات في ظل ضعف الحماية قد يؤدي إلى تعميق نزيف الكفاءات، ويضع المنظومة الصحية العمومية أمام تحديات أكثر تعقيدًا خلال السنوات المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى