الذاكرة النقابية في تونس: النقابي أحمد الكحلاوي يكشف عن تاريخ لم يُدوّن بعد

تحدث الناشط السياسي والنقابي أحمد الكحلاوي خلال حضوره في بودكاست ديوان البلاد عن مساره النضالي داخل الحركة النقابية والعمل الوطني منذ ستينيات القرن الماضي. وأكد أن التجربة النقابية في تلك المرحلة كانت جزءاً من معركة سياسية واجتماعية شاملة، وليست مجرد نضال من أجل مطالب مهنية.

بداية النشاط النقابي

أوضح الكحلاوي أن بدايات نشاطه كانت داخل هياكل التعليم في القيروان ثم في العاصمة، في سياق سياسي متوتر. وأكد أن العمل النقابي آنذاك لم يكن خياراً سهلاً، قائلاً: “النقابة ما كانتش وظيفة، كانت حرب.. باش تكون عضو نقابة في الوقت هذاكا، معناها اخترت طريق فيه صدام وتضييق وثمن شخصي كبير.”

وأضاف أن النقابيين واجهوا منذ السبعينيات ملاحقات وضغوطاً متواصلة، حيث تعرض عددٌ من الناشطين لمحاكمات وسجن بسبب مواقفهم. وأشار إلى أن قطاع التعليم التقني كان من بين أكثر القطاعات التي شهدت صدامات تنظيمية مباشرة مع السلطة.

القضايا الوطنية والسجن

في حديثه عن نشاطه المرتبط بالقضية الفلسطينية، شدد الكحلاوي على أن الانخراط في هذه القضية لم يكن شعاراً سياسياً عابراً، بل ممارسة نضالية فعلية داخل الهياكل النقابية. وقال: “القضية الفلسطينية كانت تهمة، وبعد ولات قضية يتبناها الاتحاد.”

وأوضح أنه شارك في مظاهرات ومسيرات داعمة لفلسطين، مما أدى إلى إيقافه ومحاكمته. وأكد أن السجن لم يكن حادثاً معزولاً، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من المواجهة مع السلطة، مشيراً إلى أن تلك المرحلة شكلت منعطفاً حاسماً في حياته السياسية والنقابية.

كما أشار إلى أن خروجه من السجن لم ينهِ التزامه بالقضايا العربية، معتبراً أن التضامن مع فلسطين وغيرها من القضايا الإقليمية كان جزءاً لا يتجزأ من هوية جيل كامل من المناضلين.

الصراع داخل الاتحاد

تحدث الكحلاوي عن علاقته بالحبيب عاشور والصراعات داخل الاتحاد العام التونسي للشغل، موضحاً أن الخلافات لم تكن شخصية، بل تعكس اختلافاً عميقاً في الرؤية لدور النقابة. وقال: “كنا في صراع مع حبيب عاشور، ورغم الخلاف يبقى رجلا مناضلا وصادقا.”

وبيّن أن الجيل الجديد من النقابيين كان يحمل تصورات تتجاوز المطالب القطاعية، نحو ربط العمل النقابي بالصراع الاجتماعي والسياسي الأشمل، وهو ما خلق توترات حادة داخل الهياكل النقابية، خاصة في فترات الإضرابات الكبرى.

غياب الاعتراف بالماضي النضالي

تطرّق الكحلاوي إلى مسألة توثيق التجارب النضالية، مؤكداً أن الذاكرة النقابية في تونس لم تُكتب كما ينبغي، وأن العديد من المناضلين غاب ذكرهم رغم أدوارهم المحورية في الدفاع عن الحقوق والحريات داخل المؤسسات التعليمية والنقابية.

وأشار إلى أن هذا الغياب ساهم في تقديم رواية منقوصة للتاريخ، وحرم الأجيال الجديدة من فهم السياقات الحقيقية التي تشكّلت فيها الحركة النقابية والسياسية.

جيل جديد ومسؤولية الذاكرة

اختتم الكحلاوي الحوار بالتشديد على أن المرحلة التي تلت الثورة لم تُرافقها جهود جدية لحماية ومنهجة الذاكرة الوطنية والنقابية، معتبراً أن نقل هذه التجارب مسؤولية جماعية.

وخلص إلى أن توثيق المسار النضالي ليس تمجيداً للأفراد، بل شرطاً أساسياً لفهم التحولات التي عرفتها البلاد، موجهاً رسالة إلى الجيل الجديد مفادها أن معرفة تاريخ النضال هي المدخل الحقيقي لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى