أوروبا تحت وطأة الحر: وفيات وإغلاقات مستمرة، والعلماء يحذرون من القبة الحرارية

تواصل موجة حر لافحة وغير مسبوقة إحكام قبضتها على مناطق شاسعة من غرب ووسط القارة الأوروبية، مخلفةً وراءها عشرات الوفيات، وشللاً جزئياً في قطاعات التعليم والنقل والسياحة، وسط استنفار صحي رسمي لم تشهده القارة منذ سنوات.

إجراءات استثنائية واستنفار طبي

في فرنسا، أعلن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو تفعيل أعلى مستوى من التأهب للخدمات الصحية، وهو إجراء طوارئ يتيح للمستشفيات إلغاء العمليات الجراحية غير العاجلة وتوجيه كافة الموارد البشرية واللوجستية لإنقاذ المتضررين من ضربات الشمس والإجهاد الحراري، وجاء هذا التحرك بعد أن سجلت باريس درجة حرارة قياسية وتاريخية لشهر يونيو بلغت 40.9 درجة مئوية.

ومن جانبه، وجه رئيس بلدية باريس، إيمانويل جريجوار، نداءً عاجلاً للسكان لتوخي الحذر، مسلطاً الضوء على “فئة خطر جديدة”؛ حيث أشار إلى أن الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و70 عاماً ويتمتعون بصحة جيدة هم الأكثر عرضة للخطر حالياً، نظراً لاستمرارهم في ممارسة أنشطتهم المعتادة دون إدراك لخطورة الأجواء، داعياً إياهم لحماية أنفسهم.

حصيلة ثقيلة وإغلاقات واسعة

أدت الموجة الحارة إلى تداعيات قاسية ومأساوية في عدة دول حيث سجلت فرنسا وفاة ما لا يقل عن 48 شخصاً غرقاً أثناء محاولتهم التبرد في الشواطئ والأنهار، بالإضافة إلى وفاة طفلين داخل سيارة مغلقة جراء الحرارة.وفي إيطاليا، دعا وزير الصحة أوراتسيو سكيلاتشي إلى اجتماع طارئ بعد تسجيل 5 وفيات مرتبطة بالحر.وأعلن وزير التعليم الفرنسي إدوار جيفريه إغلاق نحو 13500 مدرسة أو تعديل جداولها الدراسية لعدم قدرة الأبنية التعليمية على حماية الطلاب من الحرارة المرتفعة.

كما امتدت التأثيرات إلى بريطانيا، حيث أغلقت بعض المزارات السياحية أبوابها في لندن، وشهدت شبكات النقل في جنوب إنجلترا اضطرابات وتأخيرات ملحوظة.ورغم أن هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية توقعت بدء انخفاض تدريجي في درجات الحرارة، إلا أن التحذيرات انتقلت إلى ألمانيا والنمسا وإيطاليا؛ حيث أصدرت ألمانيا تحذيرات شديدة مع توقعات بوصول الحرارة إلى 41 درجة مئوية خلال عطلة نهاية الأسبوع.

سياق مناخي: ما الذي يحدث للطقس في أوروبا؟

تتجاوز هذه الموجة الحارة كونه مجرد “صيف ساخن”، بل تصنفها المراكز المناخية كإشارة واضحة على تسارع أزمة المناخ.وتعود الأسباب العلمية لهذه الموجة إلى العوامل التالية:

ظاهرة “القبة الحرارية” (Heat Dome)تتأثر منطقة غرب أوروبا بنظام ضغط جوي مرتفع وثابت في طبقات الجو العليا، ويعمل هذا النظام كـ “غطاء” يحبس الهواء الساخن الصاعد من الأرض ويمنعه من الصعود للأعلى، ومع استمرار انضغاط هذا الهواء، يزداد سخونة وجفافاً، ويمنع تشكل السحب أو وصول الرياح الباردة، مما يخلق بيئة أشبه بالفرن المغلق.

تعرج “التيار النفاث” (Jet Stream)بسبب الارتفاع الحاد في حرارة القطب الشمالي (الذي يسخن بمعدل أسرع من بقية العالم)، يضعف التيار النفاث وهو حزام الرياح السريعة المسؤول عن تحريك أنظمة الطقس عالمياً، هذا الضعف جعله يتحرك بشكل متعرج وبطيء جداً، مما أدى إلى “احتجاز” كتل هوائية شديدة الحرارة قادمة من شمال إفريقيا فوق جنوب وغرب أوروبا لعدة أيام متواصلة دون حراك.

القارة الأسرع احتراراً في العالمبحسب تقارير مرصد “كوبيرنيكوس” الأوروبي ومنظمة الأرصاد الجوية العالمية، فإن أوروبا هي القارة الأسرع احتراراً على كوكب الأرض، حيث ترتفع درجات الحرارة فيها بمعدل ضعف المعدل العالمي. الاحتباس الحراري الناتج عن الانبعاثات الكربونية جعل موجات الحر الحالية أشد بمقدار 5 إلى 10 درجات مئوية عما كانت عليه في فترة ما قبل الثورة الصناعية.

ارتفاع حرارة مياه المحيطات والبحار:شهدت مياه البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي درجات حرارة قياسية (موجات حر بحرية). هذه المياه الدافئة تفقد قدرتها على تبريد اليابسة، بل تساهم في ضخ هواء ساخن ورطب يزيد من الشعور بالاختناق والحر الشديد، خاصة في جنوب ووسط القارة.

تداعيات الأزمة تكنولوجياً واقتصادياً

تفرض هذه الموجة معضلة “حلقة مفرغة” (Vicious Cycle)؛ فارتفاع الحرارة يدفع السكان والشركات ومراكز البيانات إلى زيادة استهلاك الكهرباء بغرض التبريد، وهذا الاستهلاك المفرط يؤدي إلى زيادة تشغيل محطات الطاقة (التي يعتمد بعضها على الوقود الأحفوري)، مما يفرز المزيد من الانبعاثات الكربونية التي تفاقم الاحتباس الحراري.كما أن انخفاض مستويات الأنهار الأوروبية الكبرى (مثل الراين والدانوب) نتيجة الجفاف والتبخر يهدد عمليات تبريد محطات الطاقة النووية والتقليدية التي تعتمد على مياه الأنهار، مما يهدد بقطع جزئي للكهرباء عن قطاعات حيوية، من بينها قطاع الاتصالات والتكنولوجيا السحابية.يطالب الخبراء بضرورة تسريع التحول نحو تكنولوجيا أكثر خضرة واستدامة، وتطوير أنظمة تبريد لمراكز البيانات لا تعتمد على المياه العذبة أو الطاقة التقليدية، لمواجهة واقع مناخي جديد أصبحت فيه “الموجات المتطرفة” هي القاسم المشترك لكل صيف في أوروبا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى