دراسة: زراعة الأرز والأسماك معاً حل مبتكر لمكافحة “البلهارسيا” وتأمين الغذاء في إفريقيا

في خطوة واعدة تجمع بين الحفاظ على الصحة العامة وتحقيق الأمن الغذائي المستدام، كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة ستانفورد الأمريكية عن استراتيجية بيئية مبتكرة لمكافحة مرض “البلهارسيا” المداري في إفريقيا، وذلك عبر دمج تربية الأسماك في حقول الأرز المغمورة بالمياه.

ويُعد داء البلهارسيا (Schistosomiasis) من الأمراض المدارية المهملة التي تسببها ديدان طفيلية تنمو داخل أنواع معينة من قواقع المياه العذبة، قبل أن تنتقل إلى البشر عند ملامستهم للمياه الملوثة.

ويواجه ملايين الأشخاص في المناطق الريفية بإفريقيا خطر الإصابة بهذا المرض المزمن الذي يؤثر سلباً على الكبد والكلى والنمو لدى الأطفال.

المفترسات الطبيعية كخط دفاع أول

ووفقاً للدراسة المنشورة مؤخراً في مجلة نيتشر، وجد الباحثون أن إدخال أنواع محددة من الأسماك المحلية والمفترسة للقواقع – مثل أسماك القرموط (السلور) أو أنواع معينة من البلطي – إلى حقول الأرز، يساهم بشكل حاسم في قطع دورة حياة الطفيل.

فبينما تتغذى هذه الأسماك على القواقع التي تحتضن الطفيليات، فإنها تقلل بشكل حاد من أعدادها، مما يؤدي بالتبعية إلى خفض معدلات انتقال العدوى إلى المزارعين والسكان المحليين الذين يعتمدون على هذه المياه.

وأشار الباحثون إلى أن حقول الأرز التقليدية المغمورة بالمياه تشكل بيئة مثالية وتكاثراً سريعاً لتلك القواقع الناقلة للمرض، مما يجعل مزارعي الأرز في إفريقيا من الفئات الأكثر عرضة للإصابة.

ولكن بوجود “المفترسات الطبيعية”، تتحول هذه الحقول من بؤر للأمراض إلى بيئات حيوية متوازنة.

فوائد ثلاثية: صحية، بيئية، واقتصادية

تتجاوز أهمية هذا النموذج البيئي مجرد مكافحة المرض، لتلبي أهداف التنمية المستدامة عبر ثلاثة محاور رئيسية:

مكافحة بيولوجية آمنة: يقلل هذا الأسلوب من الحاجة إلى استخدام المبيدات الكيميائية السامة لمكافحة القواقع، والتي غالباً ما تلوث المجاري المائية وتضر بالتنوع البيولوجي.

تعزيز الأمن الغذائي والبروتيني: توفر الأسماك النامية في الحقول مصدراً حيوياً ومباشراً للبروتين الحيواني عالي الجودة للأسر الريفية، مما يساهم في مكافحة سوء التغذية.

زيادة إنتاجية الأرض: تعمل مخلفات الأسماك كسماد طبيعي غني بالمغذيات للنبات، مما يحسن من جودة التربة ويزيد من محصول الأرز، فضلاً عن توفير دخل إضافي للمزارعين من بيع الأسماك الفائضة.

نحو سياسات زراعية وصحية متكاملة

وتؤكد الدراسة الصادرة عن ستانفورد على ضرورة الانتقال من الحلول الطبية التقليدية وحدها – مثل الاعتماد الحصري على الأدوية المضادة للديدان والتي لا تمنع إعادة الإصابة فور العودة للمياه الملوثة – إلى حلول بيئية مستدامة تعالج جذور المشكلة في البيئة المحيطة.

ودعا الباحثون الحكومات والمنظمات الدولية في إفريقيا إلى تبني هذه الاستراتيجية المزدوجة، ودمج السياسات الزراعية مع برامج الصحة العامة، وتدريب المزارعين على تقنيات الإدارة المشتركة لحقول الأرز والأسماك، بما يضمن حماية البيئة، وتعزيز صحة الإنسان، وتحقيق الاكتفاء الغذائي في المجتمعات الأكثر هشاشة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى