تغير المناخ يضاعف حرائق الغابات في تونس

تشهد تونس في الأيام الأخيرة تكرارًا لحرائق الغابات والمساحات الفلاحية في عدد من الولايات، بالتزامن مع موجة حر شديدة وظروف مناخية تساعد على انتشار النيران. أعادت هذه الحرائق التساؤلات حول أسباب تزايدها، وتأثير التغيرات المناخية والعامل البشري في تفاقمها.
تأتي هذه الحرائق في ظل استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتواصل الجفاف وهبوب الرياح، وهي عوامل تسرّع انتشار ألسنة اللهب، خاصة داخل الغابات والمناطق الريفية. تترافق هذه الظروف مع تحذيرات من استمرار خطر الحرائق خلال ما تبقى من فصل الصيف، ودعوات لتعزيز إجراءات الوقاية والاستباق للحد من الخسائر البيئية والاقتصادية.
الظروف المناخية ليست وحدها وراء الحرائق
يرى الخبير البيئي إبراهيم الجزيري أن ارتفاع درجات الحرارة لا يمثل السبب المباشر لاندلاع الحرائق، بل يهيئ الظروف الملائمة لسرعة انتشارها. أوضح الجزيري، في تصريح لديوان أف أم، أن مواسم الأمطار خلال الشتاء والربيع تؤدي إلى نمو كثيف للأعشاب داخل الغابات، لكنها تتحول مع حلول الصيف إلى مادة جافة وسريعة الاشتعال، مما يجعل الغطاء النباتي بمثابة وقود يساعد على انتشار ألسنة اللهب.
أضاف الجزيري أن التضاريس الوعرة في بعض المناطق الجبلية تعقّد عمليات التدخل والإخماد، غير أن العامل البشري يبقى المسؤول الأول عن اندلاع معظم الحرائق. أوضح أن أكثر من 90% من الحرائق ترتبط بتصرفات بشرية، إما نتيجة الإهمال أو حرق الفضلات أو إشعال النار داخل الفضاءات الغابية أو بمحاذاتها، بالإضافة إلى التوسع العمراني على حساب الغابات وقطع الأشجار. هذه العوامل تزيد من هشاشة المنظومة البيئية وترفع مخاطر اندلاع الحرائق.
دعوات للانتقال من الإطفاء إلى الوقاية
أكد الخبير البيئي أن مواجهة حرائق الغابات لا يجب أن تقتصر على التدخل بعد اندلاعها، بل ينبغي أن ترتكز أساسًا على الوقاية والاستباق. قال إن تونس مطالبة بالانتقال من سياسة الإطفاء إلى سياسة الوقاية، من خلال تنظيف الغابات بصورة دورية، وإحداث شرائط عازلة تحد من انتشار النيران، وإزالة بقايا النباتات الجافة التي تتحول إلى وقود خلال فصل الصيف.
دعا الجزيري إلى توظيف الوسائل التكنولوجية الحديثة، مثل كاميرات المراقبة والطائرات دون طيار وأنظمة المعلومات الجغرافية، بما يسمح برصد الحرائق في مراحلها الأولى والتدخل السريع قبل توسعها. اعتبر أن دعم جهود أعوان الحماية المدنية والإدارة العامة للغابات يظل ضروريًا، لكنه يحتاج إلى تجهيزات أكثر تطورًا، من بينها طائرات متخصصة في مكافحة حرائق الغابات، للمحافظة على الثروة الغابية التي ينص قانون الغابات على اعتبارها ثروة وطنية.
خسائر بيئية تمتد لعقود
لا تقتصر آثار الحرائق على خسارة المساحات الغابية، بل تمتد وفق المختصين إلى تدمير المواطن الطبيعية للحيوانات البرية، والإضرار بالتنوع البيولوجي، وتراجع خصوبة التربة، وارتفاع مخاطر الانجراف والتصحر، بالإضافة إلى الخسائر الاقتصادية التي يتكبدها الفلاحون وسكان المناطق الغابية.
أشار الجزيري، في تصريحه لديوان أف أم، إلى أن مرحلة ما بعد الحرائق لا تقل أهمية عن مرحلة الإخماد. دعا إلى إطلاق برنامج وطني لإعادة التشجير يعتمد على دراسات علمية تراعي خصوصية كل منطقة، مع اختيار أصناف نباتية محلية أكثر قدرة على مقاومة الجفاف والحرائق، والحد من زراعة الأنواع سريعة الاشتعال. هذا من شأنه تعزيز قدرة الغابات التونسية على التكيف مع التغيرات المناخية والحد من تكرار الكوارث البيئية مستقبلًا.
تتزامن هذه الدعوات مع استمرار حالة التأهب لدى مختلف الهياكل المتدخلة، في وقت تؤكد فيه الجهات المختصة أن حماية الغابات لم تعد مسؤولية المؤسسات الرسمية وحدها، بل تتطلب أيضًا التزامًا أكبر من المواطنين باحترام قواعد السلامة داخل الفضاءات الغابية وتجنب كل السلوكيات التي قد تتسبب في اندلاع الحرائق.
نــور فــارسي


