كيف يؤثر المضغ على مستويات سكر الدم قبل تناول الطعام؟

كشفت دراسة دولية واسعة أن نحو 85% من الجينات البشرية تُظهر تقلبات في نشاطها داخل الشخص الواحد عبر الزمن، وهذه النتائج تفوق الاختلافات المسجلة بين الأشخاص المختلفين، مما يغير من فرضيات الدراسات السريرية التقليدية.

* الصورة الجزيئية للإنسان تتغير باستمرار تبعاً لعوامل بيولوجية وبيئية متعددة *

تشير هذه النتائج إلى أن الصورة الجزيئية للإنسان ليست ثابتة كما كان يُعتقد، بل تتغير باستمرار نتيجة لعوامل بيولوجية وبيئية مختلفة.

تحليل 14 ألف جين

نشرت الدراسة في دورية «Nature Communications» في 29 مايو (أيار) 2026، وأجراها فريق بحثي دولي بقيادة مجموعة التميز PMI في جامعة كيل الألمانية، وجامعة لوفان الكاثوليكية KU Leuven، والمركز الألماني لأمراض التنكس العصبي DZNE في بون. وتضمن البحث تتبع 333 متطوعاً في منطقة فلاندرز البلجيكية على مدى ستة أشهر، حيث سُحبت من كل مشارك ثلاث عينات دم في أوقات مختلفة، وحُلَّل نشاط نحو 14 ألف جين في كل عينة.

تظهر النتائج أن عينة الدم المأخوذة من الشخص في فصل الشتاء قد تُظهر نمطاً جينياً مختلفاً بشكل ملحوظ عن عينة أخرى مأخوذة منه في الصيف، رغم إجراء الفحوص في المختبر ذاته. يكشف هذا الاكتشاف عن طبيعة ديناميكية غير متوقعة للنشاط الجيني البشري، مما يحمل تداعيات هامة على مستقبل الطب الدقيق، وتشخيص الأمراض، ومتابعة تطورها.

عندما يصبح الشخص نفسه أكبر مصدر للاختلاف

لطالما افترضت الدراسات السريرية أن القياسات البيولوجية تمثل صورة ثابتة نسبياً لحالة الإنسان. لكن الدراسة الجديدة تقلب هذه الفرضية، إذ تكشف أن التغيرات التي تطرأ على الشخص مع مرور الوقت قد تكون أكبر من الفروق الموجودة بين الأفراد.

يقول البروفسور فيليب روزنستيل، من معهد البيولوجيا الجزيئية السريرية بجامعة كيل الألمانية، وأحد كبار مؤلفي الدراسة: «عندما نقارن عينات الدم نفكر عادةً في مريض مقابل سليم. لكن ما وجدناه هو أن أكبر مسافة بيولوجية قد لا تكون بين فردين مختلفين، بل بين الشخص نفسه في أوقات مختلفة».

شتاء يوقظ المناعة… وصيف يضبط الساعة البيولوجية

تشير النتائج كذلك إلى أن الفصول تؤدي دوراً رئيساً في هذه التحولات. حيث رصد الباحثون أكثر من أربعة آلاف جين يتغير نشاطها بصورة منتظمة بين الشتاء والصيف. في الأشهر الباردة تنشط الجينات المرتبطة بالمناعة، بينما تبرز في الصيف الجينات المنظمة للساعة البيولوجية، والنوم، والتمثيل الغذائي، والتوازن الهرموني.

ولا تقتصر التأثيرات على الفصول فقط، فحتى توقيت سحب العينة خلال اليوم والالتهابات البسيطة تترك بصمات واضحة على النشاط الجيني. تقول فرانزيسكا كيميج، وهي من مؤلفات الدراسة: «فوجئنا بحجم التحولات الموسمية. فعينة الدم المأخوذة في يناير (كانون الثاني) وأخرى في يوليو (تموز) من الشخص نفسه قد تعكس حالتين بيولوجيتين مختلفتين تماماً».

تسلط الدراسة الضوء أيضاً على ما يُعرف بـ«الوصل البديل» Alternative Splicing، وهي آلية تسمح للجين الواحد بإنتاج بروتينات مختلفة بحسب الظروف والوقت، مما يضيف طبقة جديدة من التنوع البيولوجي لم تحظَ بالاهتمام الكافي في الأبحاث السابقة.

* 15% من الجينات حافظت على استقرار لافت – تمثل البصمة المناعية *

بصمة مناعية لا تتغير

رغم هذا التغير المستمر، اكتشف الباحثون أن نحو 15% من الجينات حافظت على استقرار ملحوظ عبر الزمن. تركزت هذه الجينات في الجهاز المناعي، خاصة المرتبطة بالخلايا التائية والبائية.

هذه الجينات لا تختلف كثيراً داخل الشخص الواحد، لكنها تختلف بوضوح بين الأفراد، ما يجعلها بمثابة «بصمة مناعية» فريدة لكل إنسان.

يقول البروفسور ستيفان شرايبر، مدير الطب الباطني في مستشفى كيل الجامعي، يبدو أن لكل شخص توقيعاً مناعياً خاصاً به يبقى مستقراً لعدة أشهر. وهذا الأساس ينبغي أن يقوم عليه الطب الدقيق، بالتركيز على الملف المناعي الفردي بدلاً من الفكرة التقليدية عن المريض المتوسط.

* النساء لديهن مستويات أعلى من التقلبات الجينية عبر الزمن مقارنة بالرجال *

مفاجأة تتعلق بالنساء

من النتائج المثيرة للاهتمام ما كشفته الدراسة عن الفروق بين الرجال والنساء، فقد أظهرت النساء مستويات أعلى من التقلبات الجينية عبر الزمن مقارنة بالرجال.

في البداية، ظن الباحثون أن الدورة الشهرية هي السبب الرئيسي، لكن المفاجأة كانت أن هذه التقلبات استمرت حتى بعد انقطاع الطمث.

تقول الدكتورة نيها ميشرا، وهي من المؤلفات الأوليات للدراسة: توقعنا أن تفسر الدورة الشهرية معظم هذا الفرق، لكن استمرار التقلبات بعد انقطاع الطمث يشير إلى وجود عوامل أعمق لم نفهمها بالكامل بعد.

في المقابل، بدا الرجال أكثر استقراراً مع مرور الوقت، ولكنهم أظهروا اختلافات أكبر فيما بينهم. تكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة، لأن العديد من التجارب السريرية اعتمدت تاريخياً على المشاركين الذكور، ثم عُممت نتائجها على النساء.

إعادة التفكير في التجارب السريرية

تمتد أهمية هذه النتائج إلى ما هو أبعد من علم الوراثة، إذ تثير تساؤلات حيال كيفية تفسير نتائج آلاف الدراسات الطبية السابقة. قد تكون بعض التغيرات التي اعتُبرت مؤشرات مرضية في أمراض القلب أو الاضطرابات العصبية أو الحالات الالتهابية المزمنة مجرد انعكاس لتقلبات بيولوجية طبيعية مرتبطة بالوقت، أو الموسم، أو الجنس.

يقول البروفسور ييرون ريس من جامعة لوفان: «هذا لا يعني أن الأبحاث السابقة كانت خاطئة، ولكننا بحاجة إلى التعامل مع الزمن بجدية أكبر، وأن ننظر إلى الجنس، والموسم، ووقت اليوم باعتبارها عوامل بيولوجية أساسية».

واللافت أن الحل لا يتطلب تقنيات جديدة معقدة، بل يحتاج تغييراً في منهجية البحث. بدلاً من الاعتماد على عينة واحدة تمثل لحظة عابرة، يدعو الباحثون إلى قياسات متكررة مراعية لتوقيت سحب الدم، والظروف البيولوجية المحيطة.

ربما حان الوقت لأن يتوقف العلم عن التعامل مع الزمن كعامل مزعج يجب التحكم فيه، وأن يبدأ في النظر إليه كجزء أساسي من القصة البيولوجية للإنسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى