أهالي منطقة وادي الغار يجنون الغبار من الذهب الأبيض

أهالي منطقة وادي الغار يجنون الغبار من الذهب الأبيض

جمال الدين العزلوك/موقع نواة

يتسبب مصنعا الجبس (الجنوب والمتوسطية) في عمادة وادي الغار بولاية تطاوين في انبعاث غبار الجبس في الهواء الطلق وتصدع مباني سكنية نتيجة أنشطة استخراج وتحويل الجبس الخام ،مما ينجر عنه أضرارا بيئية وصحية ومادية لسكان المنطقة.في ظل ضعف الردع والرقابة من قبل وزارتي البيئة والصناعة والطاقة والمناجم والسلط الجهوية.

فكيف تسببت الأنشطة الصناعية لمصنعي الجبس في الأزمة البيئية؟ ماهي الأضرار؟وهل تم تطبيق الاتفاقيات السابقة؟ولماذا يتواصل العبث البيئي؟

ينص الفصل 47 من دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022 “تضمن الدولة الحق في بيئة سليمة ومتوازنة والمساهمة في سلامة المناخ.وعلى الدولة توفير الوسائل الكفيلة بالقضاء على التلوث البيئي”.بينما ينص الفصل الرابع من القانون عدد 41 لسنة 1996 المؤرخ في 10 جوان 1996 المتعلق بالنفايات وبمراقبة التصرف فيها وإزالتها أن “كل شخص ينتج عن نشاطه أو يمسك بحوزته نفايات في ظروف من شأنها أن تخلف آثارا سلبية على أديم الأرض أو على النبات أو على الحيوان أو أن تتسبب في تدهور المواقع أو المشاهد أو أن تلوث الهواء أو الماء أو تفرز ضجيجا أو روائح وبصفة عامة أن تهدد الصحة العامة أو البيئة مطالب بإزالتها وفقا لأحكام هذا القانون وفي ظروف تضمن تفادي الآثار المذكورة.”

1 / إنتاج الجبس:كيف يتم؟

الاسم الكيميائي للجبس كربونات الكلسيوم، وتعتبر عملية إنتاج الجبس عملية معقدة وتتطلب مجموعة من المراحل المتكاملة.المرحلة الأولى استخراج الجبس من المناجم الجبلية بعد عملية التنقيب والبحث عن رواسب الجبس في مناطق محددة لتحديد المواقع التي تحتوي على كميات هامة من الجبس.وبمجرد تحديد الموقع يتم استخدام المتفجرات كالديناميت لتفتيت الصخور الكبيرة التي تحتوي على الجبس.وبعد ذلك يتم تكسير الصخور الجبسية الضخمة إلى قطع صغيرة ويتم نقلها عبر الآلات الثقيلة كالجرافات والشاحنات إلى منشآت المعالجة.بعد ذلك يتم سحق الجبس وتنقيته لإزالة الشوائب.(يمكن أن تشمل هذه العملية الطحن والتجفيف والغربلة). والمرحلة الأخيرة هي مرحلة التغليف والتجهيز للاستخدام في مجالات مختلفة (جبس البناء/الجبس الطبي/الجبس الزراعي). و تم تصنيف مادة الجبس كمادة منجمية طبقا لمجلة المناجم الصادرة بتاريخ 28 أفريل 2003 .

: أ/ الشركة الصناعية لجبس الجنوب والشركة المتوسطية للجبس

الشركة الصناعية لجبس الجنوب -جبس القصور- تنتج الجبس منذ سنة 2003. يقع مقر المصنع في عمادة واد الغار التابعة لمعتمدية تطاوين الشمالية .وتستغل مقاطع جبس مستاوة الممتدة على مساحة أكثر من 8000.000 متر مربع.وتبلغ الطاقة الإنتاجية للشركة حوالي 60000 طن سنويا ولديها مستودعات للخزن بسعة تزيد عن 10000 طن. تقوم بتصدير الجبس إلى دول افريقية مثل الكوت ديفوار والسنغال ودول الجوار ليبيا والجزائر.وتبلغ المساحة الإجمالية للمصنع 30000 متر مربع, منها 18000 متر مربع مغطاة.وتشغل حوالي 230 عامل.و في هذا المجمع حوالي 4 وحدات إنتاج : الشركة الصناعية لجبس الجنوب وشركة مقاطع مستاوة والشركة التونسية للمواد اللاصقة الجبسية.تستغل مقاطع الاستغلال بمنطقتي واد الغار و مستاوة التابعة لعمادة خاتمة من معتمدية تطاوين الشمالية. وأما مصنع الشركة المتوسطية للجبس ومشتقاته في واد الغارعلى الطريق الرئيسي بجانب مصنع جبس الجنوب فقد بدأ الإنتاج منذ سنة 2008. الطاقة الإنتاجية من 200 طن في اليوم إلى 500 طن من المنتجات الجبسية.وتشغل حوالي 90 عامل.وبالتالي القدرة التشغيلية للمصنعين بين 320 و350 عامل.ولديها مقطع استغلال وحيد في واد الغار.وفي تطاوين هنالك 10 رخص استغلال منجمية و8 رخص بحث. وتضم ولاية تطاوين ثلاثة مصانع إنتاج جبس.

2 / الإنتاج الوطني لمادة الجبس بالطن من سنة 2007 إلى 2021 : (الموقع الالكتروني لوزارة الصناعة )

3/ الأضرار:

أ /المادية:

وبعد الحديث مع بعض مواطني المنطقة اشتكوا من تصدع جدران المنازل المأهولة بالسكان بسبب الديناميت والهزات الأرضية والضجيج ما نتج عن ذلك شقوق على الأسقف وفسقيات ومواجل تجمع مياه الأمطار التي يتم استغلالها للشرب وري الأشجار وسقي المواشي.بالإضافة إلى تساقط الحجارة من الشاحنات التي تنقل الجبس من مقاطع مستاوة إلى وحدات التحويل والإنتاج بمصنع جبس القصور على الطرقات.وخلال تصريح إعلامي سابق لوسيلة إعلامية أعلن سالم الغندور أستاذ وابن القرية خلال وقفة احتجاجية أمام أحد المصنعين أن معظم المنازل تشهد تشققات على الجدران وأنه في السابق كان يتم ليلا أو منتصف النهار.

ب / الديناميت:

وفي سياق أخر فان استعمال المتفجرات ونقلها  يتم من خلال رخصة وبمراقبة من قبل إدارة مراقبة ومرافقة المتفجرات والمواد الخطرة التابعة لوزارة الداخلية.إدارة تشرف على متابعة الأنشطة المتعلقة بالمتفجرات والمواد الخطرة وضمان سلامة نقل وتخزين هذه المواد بالتنسيق مع الإدارات المختصة وإصدار التراخيص للشركات والمؤسسات التي تعمل في مجال المتفجرات (البناء والتعدين)ومتابعة صلاحية التراخيص وتجديدها وتامين ومرافقة الشحنات الحساسة أثناء نقلها من مكان إلى آخر وضمان وصول المواد إلى وجهتها بأمان ودون أي حوادث والوقاية من المخاطر. بما يضمن الأمن والسلامة العامة والإشراف على إنتاج، تخزين، نقل واستعمال المتفجرات. وحسب تصريحات أهالي واد الغار فان شركة الجنوب للجبس تقوم بتفجير المقاطع يومين أو يوم في الأسبوع ولا يمكن تجاوز كمية 2 طن في الأسبوع لكي لا يتم سحب رخصة المتفجرات من قبل وزارة الداخلية (إدارة المتفجرات)، في المعدل 50 حفرة وحسب مصدر خاص أكثر استعمال تم زرع 1625 كلغ من المتفجرات.حدثني شخص اشتغل في المصنع قاطن بمنطقة الغنادرية القريبة من المصنعين أن شركة المتوسطية قبل التفجير تعلم السكان هاتفيا أو تطلق صافرات إنذار(سينيال) ولكن شركة الجنوب للجبس لا تستعمل التحذير وتقوم بالتفجير يومي الثلاثاء والخميس أو يومي الثلاثاء والجمعة (يومين في الأسبوع كأقل تقدير).ولا يتم استخدام المتفجرات في الليل.

ج/ الأضرار الصحية: الأمراض

الأمراض التي يشكو منها الكثير من متساكني وادي الغار حسب تصريحاتهم هي: الحساسية وضيق التنفس والحكة والسعال الذي يشكو منه الأطفال وكبار السن بسبب استنشاق الغبار المتصاعد من وحدات الطحن والإنتاج وتصاعد غازات الفيول في الجو.وعدم القدرة على  النوم في فناء المنزل في فصل الصيف بسبب التلوث والضجيج المنبعث من الكسارة والشاحنات.وأشاروا إلى غياب المتابعة المستمرة والجدية.والمضاعفات الصحية لزيت الزيتون بسبب تجمع الغبار في حبوب أشجار الزيتون.مما أدى إلى نزوح الكثير من العائلات (17 عائلة سنة 2017  حسب مصدر إعلامي ).

-غبار السيليكا: مخاطر استنشاق غبار مصنعي الجبس على الصحة :

دراسة علمية عن الأضرار الصحية لاستنشاق الغبار:

وحسب تقرير نشره المعهد الوطني للبحوث والسلامة للوقاية من الحوادث والأمراض المهنية بفرنسا الذي يضم أطباء وباحثين ومحامين ومختصين ويقدم خدمات للشركات والموظفين المسجلين في نظام الضمان الاجتماعي العام.أشار التقرير إلى أن استنشاق الغباريمكن أن يسبب مخاطر صحية أكثر أو أقل خطورة على العمال المعرضين. ففي محيط العمل ، يمكن إنتاج الغبار من خلال عمليات متعددة: طحن المعادن ، والتعامل مع المنتجات المسحوقة مثل الدقيق أو السكر ، وتصنيع الأخشاب أو غيرها من المواد إلخ.واعتمادا على حجم الجسيمات التي تتكون منها، يمكن استنشاق هذا الغبار ويصل إلى الجهاز التنفسي ويترسب هناك. وبالتالي يمكن أن يسبب آثارا ضارة على الصحة ، مهما كانت طبيعتها. التي تؤدي إلى أمراض محددة ، مثل السيليكا البلورية ، والتي تتسبب في السحار السيليسي وسرطان الرئة.

رابط الدراسة العلمية على الانترنت:

Poussières. Prévenir les risques liés aux poussières – Risques – INRS

أضرار الوقود الصلب:

الطاقة المستخدمة لتشغيل آلات المصنعين هي الوقود الصلب أو الفيول نظرا لعدم الربط بشبكة الغاز الطبيعي.ويظهر كدخان أسود كثيف في الجو من مداخن المصنعين. ولا يمكن الاستهانة بالتلوث الذي يحدث داخل المباني بسبب استخدام أنواع الوقود الصلب. وتشكّل بعض ملوثات الهواء- ومنها خاصة الكربون الأسود (أحد مكونات الجسيمات) والأوزون (على مستوى الأرض)- أيضا ملوثات مناخية قصيرة الأجل تسبب تأثيرات على الصحة واحترار كوكب الأرض على المدى القريب. وتبقى هذه الملوثات في الغلاف الجوي لمدة لا تتجاوز بضعة أيام أو أشهر، ويساهم الحد منها في تحقيق فوائد للصحة وللمناخ أيضا (منظمة الصحة العالمية). 

د/ الأضرار الفلاحية:على الأشجار والمرعى

بما أن مواطني القرية يعتمدون على النشاط الفلاحي بشكل أساسي، فقد تكبد الكثير من الفلاحين خسائر فلاحية حيث تغير لون أوراق أشجار التين والزياتين والأشجار المثمرة والنخيل من اللون الأخضر إلى الأبيض بسبب غبار الجبس المنبعث، علاوة على تيبس الثمار والأوراق وتضرر ثمار الزيتون. مما أدي إلى تراجع الإنتاج الفلاحي بالجهة وتضرر الغطاء النباتي والمرعى، وبالتالي تراجع في إنتاج العشب و شراء الأعلاف لتغذية المواشي (تبن/شعير/سداري…) حسب قول متدخلين من وادي الغار. علما أن أسعار الأعلاف باهظة وغير متوفرة بالكميات الكبيرة خاصة الشعير.ما تسبب في نزوح الكثير من العائلات إلى مناطق أخرى (خاصة دشرة الغنادرية).

-4 / تشكيات متساكني القرية بسبب التلوث: احتجاجات تمخضت عنها محاضر جلسات

توجهنا مرة ثانية إلى المنطقة الغنية بالجبس  للتعرف أكثر على معاناة مواطني القرية، وقال كمال عبود أحد متساكني وادي الغار”نطالب بالتعويضات للمنطقة فالتلوث تسبب في أضرار جسيمة والناس هنا يشتكون أمراض خطيرة مثل ضيق التنفس والكثير منهم يتنفسون الأكسيجين الاصطناعي.وخسر الفلاحون أشجار زياتين وتضررت فسقيات مياه شرب وري. في ظل عدم متابعة جدية ومستمرة من قبل السلط المحلية. كما أن مركز الصحة الأساسية يشتغل في الفترة الصباحية فقط ولا يوجد نقل ريفي أو تاكسي جماعي من والى ولاية تطاوين، وفي الليل وفي حال مرض أحد فنتصل بالجيران للمساعدة في نقل مريض إلى المستشفى الجهوي البعيد عن القرية.كما أن مصنعي الجبس لم يلتزما بالاتفاقيات السابقة للحد من التلوث والالتزام بحماية المحيط”.

وهنالك عرائض تشكيات موقعة من قبل الأهالي مثل العريضة الموقعة من قبل المواطن محمد الطويل بتاريخ 6 ماي 2020 علاوة على بيان موجه إلى السلط الجهوية ومصنع جبس الجنوب موقع من قبل ممثلين عن عائلات وادي الغار بتاريج 19 ديسمبر2020 مطالبين صاحب شركة جبس الجنوب بتحسين الوضع البيئي والامتناع عن استغلال أراضي الغير إلى حين تسوية الوضعية مع أصحابها.

أ/الاتفاق الأول سنة 2017 :

يعود هذا الاتفاق إلى احتجاجات الكامور سنة 2017  وتم نصب خيام اعتصام أمام مصنع جبس الجنوب احتجاجا على التلوث .واتفق معتصمي وادي الغارومديري المصنعين من خلال محضر جلسة عقد آنذاك في مقر ولاية تطاوين على ثلاثة جوانب:التشغيل والتنمية والبيئة. وتشغيل عمال من المنطقة وضخ 5 آلاف دينار شهريا وتكوين لجنة بيئية لتقييم الاخلالات .وطالب المتساكنين آنذاك  برش المياه والعناية بالبيئة وتركيب مصافي لإبعاد الغبار وتغطية الكسارة التي تقوم بطحن وتكسير الحجارة الجبسية والتشجير وإضاءة الطريق الرئيسي ليلا.لكن حسب تصريحات الكثير من متساكني وادي الغار لم يتم تنفيذ هذا الاتفاق بشكل جدي ومرضي.

ب/الاتفاق الثاني سنة 2020 :خسائر فادحة لمصنع الجنوب للجبس

البداية بغلق شركة جبس الجنوب (السيبس) التي تشغل أكثر من 260 عامل لعدة أشهر بسبب طرد 4 عمال من واد الغار صدر في شـأنهم قرار تأديبي لأنهم اعتدوا على مسؤول إداري بمصنع الجنوب حسب ما تداولته وسائل إعلام محلية سنة 2020 .مما أدى إلى نقص مادة الجبس في الأسواق واضطراب التوزيع (لحوالي 7000 حرفي في الجبس). وبعد مفاوضات وطنية وجهوية تم إبرام محضر جلسة بتاريخ 28 فيفري 2020 (منحة شهرية قابلة للزيادة كل سنتين) .واتفاق يوم 02 جويلية 2020 بحضور مديري مصنعي الجبس والعمدة وممثل الاتحاد الجهوي للصناعة والتجارة، رئيس مجلس تصرف مجموعة العجاردة ورئيس جمعية وادي الغار للأنشطة الاجتماعية الحبيب بوشهوة. وتم الاتفاق على صرف منحة المسؤولية المجتمعية التي قدرت ب 120 ألف دينار سنويا وتسوية الملف العقاري لشركة الجنوب وانتداب 20 عونا بين المصنعين. وتعهد أصحاب المصنعين باحترام ما تم الاتفاق حوله في المجال البيئي.

ج/ المسؤولية المجتمعية للشركتين:

ينص القانون عدد 35 لسنة 2018 المؤرخ في 11 جوان 2018 المتعلق بالمسؤولية المجتمعية للمؤسسات في الفصل 1 :”يهدف قانون المسؤولية المجتمعية للمؤسسات إلى تكريس مبدأ المصالحة بين المؤسسات ومحيطها البيئي والاجتماعي من خلال مساهمتها في مسار التنمية المستدامة والحوكمة الرشيدة وفقا للتشاريع الجاري بها العمل”. بالنسبة لوضعية مؤسستي جبس واد الغار فان برنامج المسؤولية المجتمعية متوقف منذ سنة 2023 .وكان أصحاب المعامل يقومون بتحويل المبالغ إلى جمعية وادي الغار للأنشطة الاجتماعية المقدرة ب10 آلاف دينار شهريا .

association solidarité oued el ghar ه/ جمعية واد الغار للأنشطة الاجتماعية:

جمعية محلية تأسست بتاريخ 15 جانفي 2015 مهمتها تقديم مساعدات اجتماعية للقرية  يرأسها السيد حبيب بوشهوة تقدم نفسها على أنها الطرف المفاوض عن المنطقة دعت إلى عدم تهميش دور الجمعية ومعالجة المشاكل البيئية ودعوة مديري المصانع إلى الاجتماعات وتنفيذ محاضر جلسات سابقة وأكدت من خلال أحد بلاغاتها على الفيسبوك أنه بعد اجتماع مع والي سابق (حافظ الفيتوري )فان السلطة المحلية والجهوية لا دخل لها في القطاع الخاص بصرف المنحة من عدمها للجمعية من أصحاب المعامل.ونشرت الجمعية على صفحتها الرسمية على الفيسبوك يوم 15 أفريل 2023 تقريريها الأدبي والمالي لسنة 2022 وكشفت أن مداخيل تحويل أصحاب المعامل قدر ب 102000.000 ألف دينار.تمثلت مصاريف الجمعية بشكل أساسي في مجالات التعليم والإعانات (أدوات مدرسية/اشتراكات مدرسية/منح للطلبة/إعانات للأرامل والأيتام/تحسين موارد رزق /الصيانة…).

5 المراقبة والزيارات الميدانية على المستوى الجهوي:

أ/ولاية تطاوين واللجنة الجهوية:تجاوزات مثبتة في بلاغات

ومما يؤكد التجاوزات البيئية للشركتين قيام الصفحة الرسمية لولاية تطاوين على الفيسبوك بتاريخ 29 ديسمير 2022 بنشر تدوينة أشارت إلى زيارة أداها والي سابق إلى شركة المتوسطية للجبس (السيد حافظ الفيتوري) يوم 02 ديسمير 2022 بوادي الغار وتبعا لتقرير منبثق عن تلك الزيارة الميدانية شملت مكان المقطع ووحدة التحويل تم رصد تجاوزات وإخلالات وتضمن توصيات لتحسين خطة التصرف البيئي…تقرر خلال جلسة عمل وضع رزنامة مضبوطة لرفع كل الإخلالات وتنفيذ برنامج مسؤولية مجتمعية يمتد على سنة 2023. وزيارة ميدانية أخرى تم الإعلان عنها على الصفحة الرسمية لولاية تطاوين يوم 23 جانفي 2024 .ولكن جمعية وادي الغار للانشطة الاجتماعية أشارت على صفحتها الرسمية على الفيسبوك بتاريخ 20 مارس 2024 أن الزيارات التفقدية غير ناجعة لأن أصحاب المعامل يكونون على علم بها.    

6/ المراقبة والمتابعة من قبل وزارتي البيئة والصناعة:على مستوي مركزي

 أ /وزارة البيئة:وزارة البيئة تعد تقارير خاصة ووكالة حماية المحيط تقرير خاص

بحثت في  الموقع الالكتروني والصفحة الرسمية على الفيسبوك لوزارة البيئة عن تقارير رقابية وزيارات متابعة  لأعوان وزارة البيئة على مستوى مركزي وقمت بتحميل التقارير السنوية فلم أجد تقارير عن زيارات ميدانية إلى مصنعي جبس وادي الغار،رغم وجود بعض المعلومات غير المهمة أو السطحية.وتوجهت إلى مقر الوزارة لإجراء لقاء مع خبير بيئي أو مسؤول فلم أتمكن من ذلك. لكن أشار أحد الأعوان أن الوزارة تضم 32 مراقب. وبالتالي تشهد نقصا في المراقبين، كما أن الغرامات تعتبر مبالغ زهيدة مقارنة بمداخيل الشركات وحجم التجاوزات البيئية.ثم طلب مني هذا المسؤول إيداع مطلب نفاذ إلى المعلومة إلى الوكالة الوطنية لحماية المحيط . وحسب مصدر إداري خاص يقوم المصنعين في وادي الغار بالاستجابة للمعايير البيئية ثم يعودان إلى خرق المعايير.كما أن ولاية تطاوين لا تضم إدارة خاصة بالوكالة الوطنية لحماية المحيط و تتبع ولاية قفصة (مكتب قفصة).كما صرح مسؤول جهوي بولاية تطاوين أن غبار الجبس غير ضار مقارنة بمادة الفيول أو الوقود الثقيل.حيث يتم تشغيل مصانع الجبس بالجهة بهذه المادة الخطيرة بسبب عدم الربط بالغاز الطبيعي.وبالتالي الربط بالغاز الطبيعي سيحد من مشكلة التلوث الصناعي حسب زعمه.

ب /الوكالة الوطنية لحماية المحيط: زيارة بالاشتراك مع أطراف أخرى

لاحظت عدم القيام بزيارات منتظمة وعدم نشر تقارير الزيارات الرقابية للعموم. وأبرز الزيارات الرقابية  نجد زيارة  لجنة متكونة من ممثلين عن وزارة الصناعة والمؤسسات الصغرى والمتوسطة وعن الوكالة الوطنية لحماية المحيط وعن المصالح الإدارية الأمنية والجهوية المعنية للاطلاع على الوضع البيئي بواد الغار سنة 2020. وتم إعداد تقرير لاتخاذ الإجراءات اللازمة،و لكن التقرير لم ينشر للعموم. وبعد البحث على الانترنت وجدت تصريح سابق أدلى به السيد عادل الميساوي ممثل الوكالة الوطنية لحماية المحيط لإذاعة تطاوين دعى خلاله مسيري المصنعين إلى المواظبة على رش المياه والصيانة بصفة دورية وتزويد المصنعين بالغاز الطبيعي للحد من الآثار السلبية للوقود الثقيل (الفيول) والنظر في مشكل الأراضي الاشتراكية لمعالجة المشاكل البيئية. و قمت بإيداع مطلب نفاذ إلى المعلومة إلى مكتب الضبط بالوكالة بتاريخ 24 أكتوبر2024  لكي أتحصل على أي تقرير رقابي يخص الشركتين وهل تم تسليط خطايا مالية والملوثات في الجو والمعايير التي تم استعمالها لقيس نسب التلوث في القرية…لكني لم أتلقى أي رد.

ج / رد وزارة الصناعة والمناجم والطاقة:

في سياق منفصل أكدت وزارة الصناعة والمناجم والطاقة بعد الرد على مطلب نفاد إلى المعلومة أن الوحدة الصناعية المستغلة من قبل الشركة الصناعية للجبس بالجنوب هي مادة الفيول الثقيل لتشغيل الفرن (تداول مخزون يقدر بحوالي 300 متر مكعب من مادة الفيول الثقيل).بالإضافة إلى 40 متر مكعب من القازوال لاستعماله في تزويد الآلات المتحركة.وأما الوحدة الصناعية شركة المتوسطية للجبس فلا تتوفر لدى وزارة الصناعة أي معطيات متعلقة بنشاط هذه المؤسسة.وتقدمت شركة جبس الجنوب في إطار إجراءات الحصول على ترخيص في فتح واستغلال مؤسسة مرتبة بدراسة مؤثراتها على المحيط مصحوبة بنسخة مطابقة للأصل من مكتوب الوكالة الوطنية لحماية المحيط المتعلق بالمصادقة على الدراسة السالفة الذكر وعدم الاعتراض من الناحية البيئية على مشروع وحدة صناعة الجبس.

وعن الوضعية القانونية للوحدات الصناعية بخصوص التشريع المتعلق بالمؤسسات المرتبة كشفت وزارة الصناعة أن الشركة الصناعية للجبس بالجنوب الكائن مقرها الاجتماعي بطريق قابس كلم 4.5 طينة من ولاية صفاقس قد تقدمت بمطلب ترخيص في فتح واستغلال مؤسسة مرتبة والمتمثل نشاطها في وحدة لصناعة الجبس لدى المصالح المعنية لوزارة الصناعة بتاريخ 07 مارس 2024 قصد تسوية وضعيتها القانونية إزاء التشريع المتعلق بالمؤسسات المرتبة وهو لا يزال في طور الدراسة. وتم إفادة الشركة بالنقائص المتعلقة بالملف خلال شهر نوفمبر 2024 .وأما بالنسبة إلى الوحدة الصناعية المستغلة من قبل الشركة المتوسطية للجبس ومشتقاته لم تقم الشركة بإيداع ملف مؤسسة مرتبة لتسوية وضعيتها القانونية إزاء التشريع المتعلق بالمؤسسات المرتبة وتزاول نشاطها على غير الصيغ القانونية المعمول بها في المجال.

الصور مأخوذة من صفحة جمعية واد الغار للأنشطة الاجتماعية

7/ تقارير رقابية بيئية غير ناجعة وغياب الإرادة السياسية:

اتصلت بالسيد جلال بوزيد الأستاذ الجامعي والخبير البيئي المتخصص في معالجة وتثمين النفايات وقال أن هنالك تشخيص وتقييم للأوضاع البيئية لكن يغيب التجسيد الفعلي. ويتطلب تفعيل هذه التقييمات برنامج واضح. مشيرا إلى أنه منذ حوالي 15 سنة لا يوجد متابعة للمخلفات السلبية على البيئة داخل المصانع. كما أن الدولة لم تلتزم بتحديد الجوانب الإستراتيجية للتعامل مع ملف ذي أبعاد اجتماعية وصحية وبيئية وقانونية. وبالتالي لا يوجد شفافية ووضوح من قبل الدولة بسبب غياب الإرادة السياسية.داعيا إلى تضافر جهود الدولة والمجتمع المدني.وأما التقارير التفقدية على مستوى وزارة البيئة غير ناجعة، لأن القوانين في تونس لم تحدد بوضوح مسؤوليات الأطراف المتدخلة في الشؤون البيئية لذلك تفاقم المشكل البيئي وأصبحت العملية معقدة. مضيفا أنه لا يوجد بديل عن الديناميت لأن طحن الحجارة (مقاطع الجبس) يتطلب طاقة فعالة كما أن استخدام المتفجرات تخضع إلى دراسة أولية لمعرفة الانعكاسات البيئية والاستعمال يخضع إلى عدة شروط. كما أن جودة الحياة ترتكز أساسا على العناية بالبيئة. مضيفا أن تونس فشلت في العناية بالبيئة بسبب حالة التخبط تارة يتم دمج وزارة البيئة ضمن الجماعات المحلية وتارة على مستوى وزارة التجهيز…مما تسبب في غياب المهام والأهداف الواضحة على مستوى وزارة البيئة لكي تكون التدخل ذي جدوى.

ومن جهة أخرى أكد الخبير أن غبار الجبس المنبعث من مصانع الجبس يخلف أضرارا فلاحية، بما أن أوراق الأشجار الممتلئة بالغبار لا تستطيع التنفس والنمو.وبالنسبة للوكالة الوطنية لحماية المحيط اقترح أن تكون إدارة مستقلة أو يتم دمجها مع رئاسة الحكومة لكي تقوم بدورها الرقابي والإداري كما يجب. خاصة أنها تقوم بالمراقبة ودراسة التأثيرات البيئية لأي مشروع قبل الانطلاق الفعلي.وفي سنة 1996 تم سن قوانين بيئية…لكن هذه القوانين لم تعد تواكب العصر ويجب مراجعتها.معربا أن هنالك عمل جدي لسن مشاريع قوانين جديدة للانتقال البيئي حاليا لكنها تتطلب المزيد من الوقت والنقاش العام حولها.وخلص إلى غياب إستراتيجية بيئية واضحة وحتى إذا توفرت يغيب التطبيق الفعلي بسبب تغيير هذه الاستراتيجيات.

8 / رفض اللقاء والرد:

من أجل الشفافية والموضوعية ذهبت إلى مصنعي الجبس بواد الغار(حوالي 16 كلم عن ولاية تطاوين) لإجراء لقاءات مع الإدارتين يوم 19 نوفمبر2024.لكن أعوان الحراسة أكدوا أن الشخص الوحيد الذي يدلي بالتصريحات هو الرئيس المدير العام حافظ الحمامي قالوا لي أنه غير متواجد في الشركة.بعد ذلك توجهت صوب الشركة المتوسطية للجبس وقالوا أن السيد المدير سالم العريبي غير متواجد في مكتبه.فقررت إرسال الأسئلة عبر البريد الالكتروني للمؤسستين للرد قبل النشر لكن دون جدوى أيضا.وبحثت في صفحات التواصل الاجتماعي واستمعت إلى  حديث إعلامي للسيد سالم العريبي المدير المالي والإداري للمتوسطية أعلن خلاله أن الشركة التزمت بمحاضر الجلسات وهناك التزام بالجانبين البيئي والتنموي ولم تسجل الوكالة الوطنية لحماية المحيط تجاوزات بيئية حسب قوله.

منذ حوالي ثمان سنوات لا يزال موضوع التلوث في واد الغار يشغل بال الكثير من أبناء قرية الذهب الأبيض، ورغم المناشدات ومحاضر الجلسات والاجتماعات العديدة يؤكد الكثير من مواطني الجهة أن الوضع لم يتغير نحو الأفضل، بل يزداد سوءا.ربما تلك ضريبة التنمية والاستثمار في المواد الإنشائية.بينما يلتزم أصحاب المصانع الصمت وربما يعتقدون أن تكديس رأس المال والاستثمار في الثروات الباطنية أهم من الحديث عن التلوث وحماية المحيط.أوليست الثروات الطبيعية ملك للشعب التونسي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى