وصال الحركة الطلابية بالحركة الشعبية

وصال الحركة الطلابية بالحركة الشعبية

الأمين العام للإتحاد العام لطلبة تونس محمد أولاد محمد يكتب:

🔴نعي وصرخة من قلب الوطن المنسيّ

بقلوب يعتصرها الألم، وعيون تفيض بالدمع، ننعي فاجعةً جديدة من فواجع هذا الوطن، حيث فقدنا ثلاثة من تلاميذنا الأعزاء في معهد ثانوي بسيدي بوزيد، كانوا يستعدون لاجتياز امتحان البكالوريا، حاملين أحلامهم وآمالهم الكبيرة، قبل أن يسقط عليهم جدار الإهمال والتقصير، حرفيًا ومجازيًا.

ليس الأمر مجرّد حادث عرضي، بل هو جريمة صامتة تُرتكب يوميًا في حق شبابنا، في حقّ مستقبل تونس. هؤلاء التلاميذ، الذين حلموا بمستقبل مشرق وسط واقع قاسٍ، رحلوا ضحايا بنية تحتية مهترئة، ضحايا لامبالاة مزمنة تحوّلت إلى قدر مكتوب لأبناء المناطق المهمّشة، وأولها ولايتا سيدي بوزيد والقصرين، حيث الفقر يتربّص في كل ركن، والخدمات الأساسية مفقودة، والبنية التحتية متهالكة، وكأنها توقفت في الزمن منذ عقود.

هذه المأساة لم تكن الأولى، ولن تكون الأخيرة، إن لم يُرفع الصوت عاليًا: إلى متى تظلّ الجهات الداخلية تُعامل كمناطق من الدرجة الثانية؟ إلى متى يبقى التعليم في تونس حكرا على من وُلدوا في الحواضر الكبرى، بينما يُترك أبناء الجهات يصارعون البرد، الجدران المتشققة، والمرافق المتهالكة؟

ما حدث في سيدي بوزيد ليس استثناء، بل هو صورة مصغّرة عن الوضع العام في كلّ مؤسساتنا التربوية والجامعية. فـ كلية الحقوق بجندوبة، على سبيل المثال، تقف اليوم على حافة الانهيار، حرفيًا، وقد دقّ أساتذتها وطلبتها ناقوس الخطر، مرارًا وتكرارًا، لكن لا حياة لمن تنادي. سقوف مهددة بالسقوط، تجهيزات شبه منعدمة، قاعات مكتظة، وبيئة لا تصلح حتى كمكان انتظار، فكيف تُحتضن فيها عقول تُعدّ لتكون قادة المستقبل؟

أما كلية العلوم بتونس، فبنيتها المتآكلة تعود لعقود مضت، دون أي تطوير حقيقي، رغم أنها تستقطب الآلاف من الطلبة من مختلف أنحاء الجمهورية. بنايات قديمة، دورات مياه في حالة يرثى لها، تجهيزات علمية متخلفة، وافتقار تام لأدنى شروط البحث العلمي الحديث.

إننا لا نرثي فقط ثلاثة أرواح بريئة أزهقت ظلمًا، بل نرثي منظومة بأكملها، تتداعى تحت وطأة الإهمال والتسيّب وغياب الإرادة السياسية. نرثي واقعًا يُفترض أن يُربّي أجيالًا، لكنه يقتل الطموح، ويقهر الفقراء، ويُرسّخ الجهوية.

هذه الفاجعة يجب أن تكون منعطفًا لا مجرّد خبر عابر. يجب أن تكون صرخة مدوية تطالب بإصلاح جذري، يبدأ من النية الصادقة بالاستثمار في الإنسان، في العلم، في المدرسة، في الجامعة. كفى تجاهلًا للمناطق الداخلية. كفى تعايشًا مع بنية تحتية قاتلة. كفى تهميشًا لمؤسسات علمية تقف على حافة الانهيار.

الرحمة لتلاميذ سيدي بوزيد، والخزي لكلّ من أدار ظهره لصوت الجدران المتشققة قبل أن تسقط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى