الجلوس المتواصل لأكثر من 30 دقيقة يزيد من خطر الوفاة بالسرطان

في ظل وجود مجموعة كبيرة من البرامج والأفلام الممتعة المتاحة على التلفزيون هذه الأيام، يصبح من المغري تناول الطعام أثناء المشاهدة. لكن هل بالفعل يُعتبر تناول وجبة أمام التلفاز فكرة جيدة؟
تفتقر “وجبة التلفاز” إلى سمعة صحية جيدة. تعود جذورها إلى الولايات المتحدة في أوائل القرن العشرين، حيث تثير ذكريات تناول وجبة مُصنّعة غنية بالملح والإضافات، تُؤكل على حضنك وأنت جالس على الأريكة.
لكن ماذا لو اخترت نوعاً مختلفاً من الطعام أثناء مشاهدة مسلسل تلفزيوني؟ قد تظن أن تناول طبق ملون مليء بالخضراوات والحبوب الكاملة هو عادة صحية. ولكن، هل يُبطل تناول الطعام أمام التلفاز هذه الخيارات الصحية؟
ثمة بعض الأدلة التي تشير إلى ذلك. تُظهر الدراسات أن تناول الطعام بصفة منتظمة أثناء مشاهدة التلفاز ليس جيداً لصحتنا، بغض النظر عن نوع الطعام، وفقاً لتقرير شبكة “بي بي سي” البريطانية.
وفيما يلي بعض الأسباب التي تجعل تناول الطعام أمام الشاشات أمراً غير صحي:
التشتت والذاكرة
يؤكد العلماء أن البيئة المحيطة تلعب دوراً مهماً في نظامنا الغذائي. تشير الأبحاث إلى وجود صلة بين مشاهدة التلفاز وزيادة خطر الإصابة بالسمنة، ويعزى ذلك غالباً إلى انخفاض مستوى النشاط البدني المرتبط بهذا السلوك الخامل.
كما أن مشاهدة التلفاز قد تؤثر على كمية الطعام التي نتناولها. تشرح مونيك ألبلاس، الأستاذة المساعدة في علوم الاتصال بجامعة أمستردام، أن التشتت هو أحد الأسباب الرئيسة لتناول كميات أكبر من الطعام أثناء مشاهدة التلفاز.
عندما ننغمس في قصة مشوقة، يقل تركيزنا على الطعام، مما يجعلنا نتجاهل إشارات الشبع في جسمنا، وبالتالي نُفرط في الأكل. تشير الأبحاث أيضاً إلى أننا لا نتذكر جيداً ما تناولناه من طعام أثناء مشاهدة التلفاز، ما قد يدفعنا لأكل المزيد لاحقاً.
استخدمت ألبلاس بيانات تم جمعها مسبقاً من المعهد الهولندي للبحوث الاجتماعية، حيث طُلب من المشاركين توثيق أنشطتهم اليومية، بما في ذلك تناول الطعام ومشاهدة التلفاز. وقد أظهرت التحليلات أن المشاركين قضوا وقتاً أطول في تناول الطعام عندما كانوا يشاهدون التلفاز في نفس الوقت.
كما وُجد أن الوقت الإجمالي الذي قضوه في تناول الطعام كان أطول في الأيام التي تم فيها الجمع بين مشاهدة التلفاز وتناول الطعام، مما يدل على عدم إدراكهم لكمية الطعام التي تناولوها بسبب انشغالهم.
لا تشير النتائج بالضرورة إلى تناول كميات أكبر من الطعام، بل تُظهر فقط المدة التي يقضونها في تناول الطعام. وبما أن النتائج تم الإبلاغ عنها ذاتياً، فإن السلوك قد يختلف بناءً على قوة الانغماس في القصة.
تؤكد الأبحاث المخبرية أن انشغال الدماغ أثناء تناول الطعام يؤدي إلى زيادة في استهلاك السعرات الحرارية.
وأضافت فلور فان مير، الباحثة في علم البيانات في مركز أبحاث سلامة الغذاء في فاغينينغين بهولندا، أن تشتت الانتباه قد يؤثر أيضًا على إدراك طعم الطعام. فقد أظهرت دراسات أن المشاركين الذين حاولوا حفظ أرقام طويلة أثناء تناول الطعام أفادوا بأن طعامهم كان أقل حلاوة.
تلعب حالتنا العاطفية أيضاً دوراً مهماً في اختياراتنا الغذائية، حيث تتنوع الأطعمة التي نختارها بناءً على أنواع البرامج التي نشاهدها. فعندما نشاهد شيئاً يُسعدنا، قد نميل لاختيار أطعمة أكثر متعة مثل الشوكولاتة أو الفشار.
ماذا نأكل أثناء مشاهدة الشاشات؟
أظهرت الأبحاث أن التعرض لإعلانات الطعام دفع الناس لزيادة استهلاكهم لها بشكل عام. المشكلة تكمن في أن العلاقة بين هذه الإعلانات وتناول الأطعمة فائقة المعالجة رُبطت بالسمنة وأمراض أخرى مثل أمراض القلب.
تشير فرناندا راوبر، الباحثة في مركز أبحاث علم الأوبئة في التغذية والصحة بجامعة ساو باولو، إلى أن الأدلة تظهر أن التعرض القصير لإعلانات الطعام يجعل الأطفال أكثر ميلاً لاختيار الأطعمة المُعلَن عنها.
إن العلاقة بين مشاهدة التلفاز وتناول الطعام معقدة، حتى عند النظر فقط إلى تأثير التشتيت. فالأطعمة فائقة المعالجة تُعتبر أسهل في تناولها أثناء المشاهدة، ولكن تأثير إعلاناتها يزيد من استهلاكها.
وعادةً ما ترتبط الوجبات العائلية بتناول مزيد من الفواكه والخضراوات، إلا أن الدراسات أظهرت أن الأطفال يتناولون كميات أكبر من الأطعمة فائقة المعالجة أثناء تناول الطعام مع عائلاتهم. وهذا يُبرز التفاعل المعقد بين العادات الغذائية والتأثيرات البيئية.
جوانب أخرى للتشتت
العلاقة بين مشاهدة التلفاز وتناول الطعام لا تزال معقدة، حيث يُشير البحث إلى أن التشتت قد يقودنا في بعض الأحيان لتناول كميات أقل من الطعام. فعلى سبيل المثال، بعض المدارس قررت أن تتناول التلاميذ الغداء خلال الحصص الدراسية، مما ساعد على إبقاء اهتمامهم في مسار تعليمي سلبي.
وقد أظهرت دراسة أخرى للأشخاص البالغين أن المشاركين الذين شاهدوا الحلقة نفسها مرتين تناولوا 211 سعرة حرارية إضافية مقارنةً بالمجموعة التي شاهدت حلقات مختلفة. وهذا يشير إلى أن الانغماس في المحتوى الجذاب قد يجعلنا ننسى الطعام أمامنا، بينما قد نأكل أكثر عند الشعور بالملل.
إذن… هل ينبغي تجنب تناول الطعام أثناء مشاهدة التلفاز؟
ثمة نظريات تفسر سبب تناول كميات أكبر من الطعام عند مشاهدة التلفاز، ولكن الأبحاث لا تزال تواجه تحديات عديدة. كثير من الدراسات تعتمد على السجلات الذاتية، حيث يميل المشاركون لتقليل الإبلاغ عن استهلاكهم للأطعمة غير الصحية.
لا تزال الأبحاث تتطلب المزيد من التحقيق لفهم سلوكنا الغذائي بشكل أعمق. فبينما نعرف بعض التأثيرات التي قد يُحدثها التلفاز على تناول الطعام، هناك العديد من الجوانب التي لا تزال بحاجة إلى استكشاف.
يقترح الخبراء أن تأثير التلفاز على تناول الطعام يعتمد على عوامل عدة، منها نوع المحتوى. فعندما تُظهر شخصية تأكل على الشاشة، قد نشعر برغبة في تناول الطعام أيضاً. كما أن إيقاع البرنامج قد يؤثر على كمية الطعام التي نتناولها.
تظل عوامل التشتيت معقدة. فقد لا تكون مشاهدة التلفاز بعينها أكثر تشتيتاً للانتباه من الأنشطة الأخرى التي نقوم بها أثناء تناول الطعام، مثل القراءة أو اللعب مع الأصدقاء. تشير الأبحاث إلى أن سلوكنا الغذائي معقد، وغير قابل للفهم بشكل كامل، مما يجعل “وجبة التلفاز” ليست مرتبطة فقط بالأطعمة السريعة، بل تتعدى ذلك. لذا، إذا كنت ترغب في خيار صحي، فقد يكون من المفيد إعادة النظر في استخدام جهاز التحكم عن بُعد.



