سد الرغاي في جندوبة.. حلّ نهائي لأزمة العطش؟

مشروع سد الرغاي في جندوبة: تعبئة مائية استراتيجية لدعم الموارد
تتقدم أشغال إنجاز سد الرغاي بمعتمدية غار الدماء من ولاية جندوبة، وهو أحد المشاريع التي تراهن عليها الدولة لتدعيم الموارد المائية في الجهة. تبلغ طاقته التخزينية 30 مليون متر مكعب، على مساحة تقارب 250 هكتارًا، وبكلفة إجمالية تناهز 250 مليون دينار.
يهدف المشروع إلى توفير مياه الشرب لنحو 100 ألف ساكن، إضافة إلى دعم شبكة الري وتغذية المائدة المائية، وحماية مدن غار الدماء ووادي مليز وجندوبة وبوسالم من مخاطر الفيضانات. انطلقت الأشغال خلال الثلاثي الرابع من سنة 2025، وفي جانفي 2026 تمت معاينة موقع الأشغال وحضيرة البناء ومسالك فك العزلة ومواقع استغلال المقاطع.
تكتسب المنشأة أهمية خاصة لجهة تعاني منذ سنوات من اضطرابات في التزود بالمياه. بلغ عدد سكان معتمدية غار الدماء، وفق تقديرات المعهد الوطني للإحصاء لسنة 2025، نحو 62 ألفًا و280 ساكنًا، فيما يتجاوز نطاق الانتفاع المتوقع من المشروع حدود المعتمدية ليشمل مناطق أخرى من ولاية جندوبة.
يأتي مشروع السد في سياق مائي صعب. أظهرت بيانات المرصد الوطني للفلاحة أن نسبة امتلاء السدود التونسية بلغت 37.2 بالمائة في 3 جويلية 2025، في حين سجلت الإيرادات المائية خلال الموسم تراجعًا بنسبة 45.5 بالمائة مقارنة بالمعدل المسجل خلال السنوات الأخيرة.
سد الرغاي.. مشروع لتأمين مياه الشرب والري
أكد مهندس المياه والناشط الجمعوي محمد صالح قلايد، في تصريح لـديوان أف أم، أن سد الرغاي يمكن أن يساهم في تأمين التزود بمياه الشرب والتخفيف من الضغط على الموارد المائية في الجهة. أوضح قلايد أن أهمية المشروع لا تقتصر على مياه الشرب، بل تمتد إلى دعم النشاط الفلاحي من خلال تغذية شبكة الري، وتحسين وضعية الموارد المائية بالمنطقة.
تأتي تلك التصريحات في وقت تواجه فيه المناطق السقوية بغار الدماء ووادي مليز صعوبات متكررة في التزود بمياه الري، وهي إشكالية ارتبطت سابقًا بالاعتماد على الآبار الارتوازية التي تعاني من الأعطاب ونقص الموارد. من المنتظر أن يساهم السد في تغذية المائدة المائية بالجهة، مما قد يوفر موردًا إضافيًا لمواجهة الضغط المتزايد على الموارد التقليدية.
مع ذلك، يرى محمد صالح قلايد أن سد الرغاي لا يمكن أن يكون حلًا وحيدًا لأزمة المياه. قال قلايد في التصريح نفسه إن المشروع، رغم أهميته الاستراتيجية، يجب أن يندرج ضمن حزمة متكاملة من الإجراءات تستهدف تدعيم الموارد المتاحة وتحسين طرق استغلالها. يكتسب هذا الطرح أهمية خاصة في ظل تزايد الطلب على المياه وتواتر الانقطاعات، مما يجعل أي مشروع مائي جديد جزءًا من منظومة أوسع بدل التعويل عليه بمفرده.
أزمة الماء تسبق السد.. واحتجاجات تكشف حجم المعاناة
تأتي أشغال سد الرغاي في منطقة عرفت اضطرابات متكررة في التزود بالمياه، وصلت إلى حد الاحتجاجات الشعبية. ففي 17 جويلية 2025، نفذ متساكنو عمادة سيدي مسكين من معتمدية وادي مليز وقفة احتجاجية على خلفية انقطاع مياه الشرب، وقطعوا الطريق الوطنية رقم 6 الرابطة بين جندوبة وغار الدماء عبر وادي مليز. أكد المحتجون آنذاك أنهم يعيشون ظروفًا صعبة، مطالبين السلط الجهوية والمحلية والشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه بالتدخل. تسبب التحرك في تعطيل حركة المرور لأكثر من ساعة قبل تدخل السلط.
تكشف أرقام المرصد التونسي للمياه حجم الضغط الذي عاشته الجهة خلال صيف 2025. سجلت ولاية جندوبة 38 تبليغًا حول مشاكل التزود بالمياه خلال جوان، لترتفع الحصيلة إلى 46 تبليغًا خلال جويلية. على المستوى الوطني، بلغ عدد التبليغات 604 خلال الشهر نفسه، بينها 536 حالة انقطاع غير معلن أو اضطراب في توزيع مياه الشرب. لم تقتصر الأزمة على مياه الشرب، بل واجه القطاع الفلاحي في جندوبة صعوبات مرتبطة بالتزود بمياه الري، رغم أن الجهة تعد واحدة من المناطق الفلاحية المهمة في البلاد. تبرز هذه المعطيات أن الحاجة إلى مشاريع مائية جديدة لا ترتبط فقط بتأمين موارد إضافية على المدى البعيد، بل بضمان استمرارية التزود بالمياه في الفترة التي تسبق دخول المشاريع الكبرى حيز الاستغلال.
من سد الرغاي إلى استراتيجية مائية متكاملة
في انتظار استكمال أشغال سد الرغاي ودخوله حيز الاستغلال، يبقى السؤال حول كيفية سد الفجوة المائية خلال السنوات المقبلة. مدة الإنجاز محددة بخمس سنوات ونصف، وانطلقت الأشغال خلال الثلاثي الرابع من سنة 2025. المشروع لا يقتصر على تأمين مياه الشرب، بل يشمل تغذية شبكة الري والحماية من الفيضانات.
في هذا الإطار، أدرجت وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري ضمن توجهاتها جملة من الحلول الموازية، منها تثمين المياه المعالجة وتحسين مردودية شبكات التوزيع، وتطوير الموارد غير التقليدية. يرى مهندس المياه محمد صالح قلايد، في تصريح لـديوان أف أم، أن من الإجراءات التي ينبغي تكثيفها في المنطقة التوسع في حفر الآبار العميقة، باعتبارها موردًا يخفف الضغط على الموارد الحالية، إلى جانب العمل على صيانة المنشآت والشبكات وتحسين مردودية استغلال المياه.
يؤكد قلايد أن فائدة سد الرغاي لن تكون محصورة في المنطقة التي سيقام فيها، بل تمتد إلى المناطق المجاورة لجبل الرغاي وعدد من مناطق ولاية جندوبة، بالنظر إلى أدواره في تأمين مياه الشرب والري وتغذية المائدة المائية. يظل التحكم في الطلب وترشيد استهلاك المياه عنصرًا أساسيًا، خاصة في ظل تراجع الإيرادات المائية. معطيات المرصد الوطني للفلاحة أظهرت أن إجمالي الإيرادات خلال الفترة من سبتمبر 2024 إلى 3 جويلية 2025 بلغ 959.6 مليون متر مكعب، ورغم أنه كان أعلى من الموسم السابق، فإنه ظل أقل بنسبة 45.5 بالمائة من معدل السنوات الأخيرة البالغ 1762.5 مليون متر مكعب.
يمثل سد الرغاي مشروعًا استراتيجيًا لجندوبة، ليس فقط كمنشأة لتعبئة نحو 30 مليون متر مكعب، بل أيضًا لوظائفه المتعددة في مياه الشرب والري والحماية من الفيضانات. الرهان الأكبر لا يرتبط بالسد وحده، بل بقدرة السياسات المائية على توفير موارد إضافية بالتوازي مع تحسين استغلال الموجود منها، وتطوير شبكات التوزيع، ومواجهة الانقطاعات، وتوفير حلول عاجلة للمناطق التي تعاني من العطش. بين مشروع يمتد إنجازه على سنوات، وحاجيات مائية قائمة منذ الآن، يبقى التحدي الحقيقي هو كيف يمكن تأمين الماء لسكان جندوبة اليوم، في انتظار أن يصبح سد الرغاي قادرًا على تأمين جزء من احتياجاتهم غدًا.

