كسوف الشمس يحوّل سماء تونس إلى مسرح لظاهرة فلكية نادرة

الكسوف الشمسي ظاهرة فلكية تحدث عندما يمر القمر بين الأرض والشمس، فيحجب جزءًا من ضوء الشمس عن مناطق معينة من سطح الأرض. وتختلف درجة الاحتجاب بحسب موقع الراصد، لذلك قد يكون الكسوف كليًا في منطقة وجزئيًا في أخرى في اللحظة نفسها.
طبرقة في واجهة المشهد التونسي
في تونس، تبدأ الظاهرة خلال الفترة المسائية، وتكون أفضل فرص المشاهدة في المناطق ذات الأفق الغربي المفتوح. وتسجل طبرقة أعلى نسبة احتجاب في البلاد، بنحو 59%، مقابل حوالي 46% في تونس العاصمة، بينما تتراجع النسبة كلما اتجهنا جنوبًا. ويبلغ الكسوف أقصى مراحله قبل غروب الشمس بدقائق، مما يجعل المشهد مختلفًا عن الكسوفات التي تقع في منتصف النهار.
تكتسب الظاهرة خصوصية إضافية بسبب توقيتها، إذ تكون الشمس منخفضة جدًا قرب الأفق، مما قد يجعل المشهد يبدو أقرب إلى قرص شمسي يتحول تدريجيًا إلى هلال قبل أن يختفي مع الغروب. لكن انخفاض الشمس في السماء يعني أيضًا أن المباني والتضاريس والسحب قد تؤثر في إمكانية الرصد، لذلك تحتاج مشاهدة الظاهرة إلى أفق غربي مكشوف.
لا يقتصر الاهتمام بالكسوف على الجانب البصري، فالانخفاض المفاجئ في الإشعاع الشمسي أثناء الكسوف يوفر للباحثين فرصة لدراسة تغيرات مؤقتة في درجات الحرارة وحركة الرياح والغلاف الجوي، فضلًا عن تأثير الظاهرة في بعض الأنظمة التي تعتمد على الطاقة الشمسية.
ولعل مشهد اليوم يعيد إلى الذاكرة كسوف 11 أوت 1999، الذي كان كسوفًا كليًا في أجزاء من أوروبا، بينما ظهر في تونس جزئيًا. ففي سوسة مثلًا بلغت نسبة احتجاب قرص الشمس نحو 56.4% عند ذروة الكسوف، وفقًا للحسابات الفلكية.
لكن كسوف 1999 لم يكن مجرد حدث فلكي عابر. ففي المناطق الأوروبية الواقعة ضمن مسار الكسوف الكلي، تحول النهار إلى ظلام لبضع دقائق، مما جعل الظاهرة واحدة من أكثر الأحداث الفلكية إثارة للاهتمام في نهاية القرن العشرين. كما رافقها آنذاك خوف واسع من النظر المباشر إلى الشمس وتحذيرات صحية مكثفة. لم تكن تلك التحذيرات بلا أساس؛ إذ سجلت فرنسا بعد الكسوف 147 حالة إصابة في شبكية العين مرتبطة بمشاهدة الظاهرة، بينها 17 حالة خطيرة.
ظاهرة أوروبية استثنائية
خارج تونس، يأخذ كسوف 2026 بعدًا أكبر، إذ يمر مسار الكسوف الكلي عبر مناطق من غرينلاند وآيسلندا وشمال إسبانيا، قبل أن ينتهي قرب جزر البليار. سيتمكن الراصدون الموجودون داخل مسار الكلية من مشاهدة اللحظة التي يحجب فيها القمر قرص الشمس بالكامل، فيما يشاهد ملايين الأشخاص خارج هذا المسار كسوفًا جزئيًا بنسب متفاوتة.
تحول الحدث في عدد من الدول الأوروبية إلى مناسبة علمية وسياحية، مع توجه المهتمين بعلم الفلك إلى المناطق الواقعة ضمن مسار الكسوف الكلي لمتابعة لحظات نادرة يتغير خلالها الضوء بشكل مفاجئ وتظهر الهالة الشمسية (الإكليل الشمسي) حول قرص القمر. وقد أصبحت بعض المدن والمناطق الواقعة على مسار الكسوف تستعد لاستقبال أعداد كبيرة من الزوار والمهتمين بالظاهرة.
بالنسبة إلى تونس، قد لا تكون في قلب مسار الكلية، لكنها توجد ضمن الرقعة التي تسمح برصد الكسوف الجزئي، مما يجعل ظاهرة اليوم فرصة للوقوف على واحدة من أكثر الظواهر الفلكية إثارة للإنسان، لحظة يتدخل فيها القمر (وهو الجرم الأقرب إلى الأرض) بيننا وبين الشمس، فيتغير المشهد المعتاد للسماء خلال دقائق.
ويبقى الجانب الأهم هو السلامة. فحتى أثناء الكسوف الجزئي، لا ينبغي النظر مباشرة إلى الشمس بالعين المجردة أو عبر النظارات الشمسية العادية، بل باستخدام وسائل رصد مخصصة وآمنة للكسوف. وبينما يتعامل العلم مع الظاهرة باعتبارها حدثًا يمكن حسابه بدقة منذ سنوات، فإنها تظل بالنسبة إلى المتابع العادي لحظة نادرة تذكّر بأن السماء، رغم اعتيادنا على وجودها، قادرة في دقائق قليلة على تغيير شكل النهار بأكمله.

