الرياحي يحذّر: أزمة اللحوم الحمراء تتحول لخلل هيكلي يهدد الأمن الغذائي

لم تعد أزمة اللحوم الحمراء في تونس مجرد أزمة ظرفية عابرة، بل تحولت إلى تجسيد واضح لاختلال هيكلي عميق يهدد إحدى الركائز الأساسية للأمن الغذائي في البلاد. وفقًا لتصريحات رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، لطفي الرياحي، لوكالة تونس إفريقيا للأنباء يوم الأحد 3 ماي، فإن الوضع الحالي يكشف عن مفارقة صارخة: ارتفاع متواصل في أسعار اللحوم النهائية يقابله غياب الرؤية الدقيقة حول تكلفة الإنتاج، وانعدام قاعدة بيانات موثوقة تُتيح تقييم حجم القطيع الوطني وتركيبته.
أزمة بنيوية في المنظومة
يعتبر الرياحي أن ما تشهده تونس ليس مجرد خلل عابر في توازنات السوق، بل هو أزمة بنيوية تضرب عمق المنظومة. كما أن التفسير التقليدي القائم على فجوة العرض والطلب لم يعد كافيًا، بل يزيد من تعقيد الوضع لأنه يتجاهل العامل الأساسي: التآكل الممنهج للقدرة الإنتاجية نفسها.
تراجع القطيع الوطني وأثره على الإنتاج
أشار الرياحي إلى أن القطيع الوطني يشهد مسارًا انكماشيًا تدريجيًا لا يمكن تفسيره فقط بارتفاع تكلفة الأعلاف أو التأثيرات المناخية، بل يعكس خللًا اقتصادياً وهيكلياً يدفع المزارعين إلى تبني سلوكيات تضر باستدامة القطاع، أبرزها التفريط في الإناث المنتجة.
هذا الخيار يتعزز بشكل مفارق تحت ضغط ارتفاع الأسعار على مستوى البيع بالتجزئة، مما يحوِّل الارتفاع السعري من حافز للإنتاج إلى عامل استنزاف للقاعدة الإنتاجية، ويقوّض فرص التعافي وإعادة التوازن على المدى المنظور.
تعقيدات تكلفة الإنتاج وتأثيرها على السوق
يزداد الوضع تعقيدًا بسبب غياب منهجي لتحديد تكلفة الإنتاج. فالأعلاف، التي شهدت انخفاضًا ملحوظًا مؤخرًا، ليست سوى جزء من منظومة تكاليف موسعة تشمل ضعف الحوكمة، وقلة التأطير الفني، وارتفاع تكلفة الخدمات البيطرية. هذه العوامل تتراكم وتحد من قدرة الفلاح على تطوير قطيعه وتحسين مردوديته.
ينعكس هذا الخلل مباشرة على ضعف تثمين المنتج عند المصدر، مقابل تضخم السعر النهائي، مما يؤكد عجز السوق عن تحقيق التوازن الفعلي.
إشكالية التوزيع وتضخم الأسعار
لا يقف الاختلال عند حدود الإنتاج، بل يتفاقم على مستوى التوزيع. فقد تحولت سلسلة التوريد إلى مجال لتضخيم الأسعار بدلاً من نقل القيمة بشكل عادل. كما أن تعدد الوسطاء وفرض هوامش رربح غير مضبوطة في غياب رقابة فاعلة وآليات تسعير شفافة، أدى إلى انحراف واضح في عمل السوق.
والنتيجة هي استنزاف المستهلك من دون أن يتحسن دخل المنتج، مما يعكس خللاً في موازين القوة داخل المنظومة برمتها.
تراجع القدرة الشرائية وتأثيرها على الاستهلاك
يتقاطع هذا المسار مع تدهور القدرة الشرائية للمواطن الذي لم يعد قادرًا على مواكبة الارتفاع المتواصل في الأسعار. وقد أدى ذلك إلى تعديل قسري في أنماط الاستهلاك، خاصة فيما يتعلق بالبروتين الحيواني.
والحال أن اللحوم الحمراء ليست سلعة كمالية، بل عنصرًا أساسيًا في الغذاء، مما يجعل تحولها إلى عبء مالي مؤشرًا على خلل أعمق في ربط الإنتاج باحتياجات السوق المحلية.
ضعف السياسات العمومية وغياب المعالجة الجذرية
على مستوى السياسات العمومية، أوضح الرياحي أن التعامل مع الأزمة ظل محكومًا بمنطق التدبير الظرفي، عبر اللجوء إلى الاستيراد أو إجراءات مؤقتة لاحتواء الأسعار، دون السعي toward معالجة جذرية للأزمة. وهذا النهج لا يُفضي إلى حل حقيقي، بل يؤجل المشكلة ويزيد من كلفتها على المديين المتوسط والطويل.
الحلول المقترحة وفقًا للرياحي
لتجاوز هذا الوضع، شدد الرياحي على ضرورة إعادة توجيه السياسات نحو دعم الإنتاج كمدخل أساسي، من خلال:
- حماية القطيع الوطني والعمل على تنميته.
- تحسين مردودية القطاع.
- دعم إصلاح منظومة الأعلاف لتقليل التبعية للخارج.
- إعادة تنظيم قنوات التوزيع للحد من الهوامش غير المبررة وضمان الشفافية في التسعير.
- مكافحة الممارسات غير المشروعة التي تستفيد من اختلالات السوق.
خيار سياسي بين الإصلاح الشامل أو إدارة الأزمة
في ختام تصريحاته، أكد الرياحي أن جوهر الإشكالية لا يكمن في تفسير ارتفاع الأسعار، بل في فهم الأسباب التي جعلت الإنتاج نفسه يفقد مقومات الاستمرارية. وأضاف أن معالجة النتائج فقط تكرس النهج الظرفي في إدارة الأزمة، بينما المطلوب هو تفكيك الأسباب العميقة لها.
من هذا المنظور، تتحول القضية برمتها إلى خيار سياسي واضح: إما تبني إصلاح شامل يعيد التوازن إلى المنظومة، أو الاستمرار في إدارة وضع هش تتفاقم كلفته الاقتصادية والاجتماعية يومًا بعد يوم.



