تقرير أممي: الاستثمار في العمل المناخي وتحسين جودة الهواء يحقق عوائد اقتصادية كبيرة

أظهر تقرير جديد صادر عن الأمم المتحدة أن الجمع بين العمل لمواجهة تغير المناخ والحد من تلوث الهواء يمكن أن يحقق عوائد اقتصادية كبيرة، إذ قد يولد كل دولار أمريكي يُستثمر في الحلول المناخية وحلول تلوث الهواء نحو 15 دولاراً من المنافع الاقتصادية.

وصدر التقرير بعنوان «الأصول الخفية: الحالة الاقتصادية والصحية للعمل من أجل المناخ والهواء النظيف»، عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) بالتعاون مع التحالف من أجل المناخ والهواء النظيف  (CCAC)، بالتزامن مع اليوم الدولي للهواء النظيف من أجل سماء زرقاء، الذي يوافق 7 سبتمبر/أيلول من كل عام.

ويُعد التقرير أول تقييم اقتصادي عالمي شامل للعمل المتكامل في مجالي المناخ وجودة الهواء، ويخلص إلى أن معالجة القضيتين معاً تحقق عوائد اقتصادية أكبر من التعامل مع كل منهما بصورة منفصلة.

15 دولاراً مقابل كل دولار مستثمر

يقدر التقرير أن تنفيذ مجموعة من 25  إجراءً في مجالات المناخ وجودة الهواء يمكن أن يحقق منافع اقتصادية سنوية تعادل نحو 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2035، وترتفع إلى 4.5%   بحلول عام 2050، وإلى 11.4%  بحلول عام 2100.

ويشير التقرير إلى أن هذه المنافع تشمل العوائد الاقتصادية السوقية وغير السوقية على حد سواء.

وتشمل المنافع السوقية خفض الإنفاق على الرعاية الصحية، وزيادة إنتاجية العمال، وتجنب الأضرار المادية الناجمة عن آثار تغير المناخ. كما تشمل القيمة الاقتصادية للحد من الوفيات المبكرة وتحسين جودة الحياة.

وحتى عند استبعاد المنافع غير السوقية المرتبطة بالرفاه، تظل الإجراءات الـ25 قادرة، وفق التقرير، على تحقيق نحو 4  دولارات من المنافع مقابل كل دولار مستثمر.

ويشير التقييم إلى أن العوائد السوقية من الإجراءات تتجاوز تكاليف تنفيذها خلال فترة تقل عن عشر سنوات.

تكلفة التأخر في التحرك

يحذر التقرير من أن تأجيل تنفيذ الإجراءات المناخية وإجراءات تحسين جودة الهواء له تكلفة اقتصادية كبيرة.

فكل عام من التأخير في اتخاذ الإجراءات قد يؤدي إلى خسارة أكثر من 1.5 تريليون دولار سنوياً من المنافع الاقتصادية السوقية وغير السوقية، أي ما يعادل نحو 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

ويقدر التقرير أن التأخير في التنفيذ قد يبلغ في المتوسط نحو  7.5 إلى 8 سنوات على مستوى العالم، فيما تمثل العوائق المؤسسية أكبر مساهم في هذا التأخير، بما في ذلك تشتت عملية صنع القرار، وضعف القدرة على إنفاذ السياسات، وضعف التنسيق بين الجهات الحكومية.

ويمكن لمعالجة هذه العوائق، بما في ذلك من خلال الحوافز المالية والسياسات التنظيمية التي تتيح للقطاع الخاص نشر التقنيات القادرة على خفض الانبعاثات، أن تسرّع التنفيذ الكامل بما يصل إلى عقد من الزمن، وأن تفتح المجال أمام ما يصل إلى  10 تريليونات دولار من الوفورات الصحية الإضافية بحلول عام 2040.

 25 إجراءً في ستة قطاعات

يفحص التقرير مجموعة من 25 إجراءً تمتد عبر ستة قطاعات رئيسية، هي:

أنظمة الطاقة والوقود الأحفوري.

الصناعة.

النقل.

الزراعة والنظم الغذائية.

الطهي والتدفئة المنزلية.

إدارة النفايات.

وتجمع هذه الإجراءات بين تدابير طويلة الأجل لإزالة الكربون وإجراءات تستهدف ما يعرف بـملوثات المناخ قصيرة العمر أو الملوثات الفائقة، ومن بينها الميثان والكربون الأسود ومركبات الهيدروفلوروكربون (HFCs).

وتشمل الإجراءات المقترحة التوسع في إنتاج الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، وزيادة توفير حلول الطهي والتدفئة النظيفة، وتشديد معايير انبعاثات المركبات وكفاءتها، وتعزيز عمليات الفحص والصيانة، والتوسع في استخدام السيارات الكهربائية، واستخدام أنواع وقود منخفضة الكبريت في قطاع النقل البحري.

كما تشمل استعادة الغاز المصاحب بهدف إنهاء عمليات التنفيس والحرق الروتيني وتقليل تسربات النفط والغاز، وتحسين إدارة الثروة الحيوانية والسماد الطبيعي، ورفع كفاءة استخدام الأسمدة، وتحسين زراعة الأرز، وتوفير بدائل لحرق مخلفات المحاصيل.

وتتضمن الإجراءات كذلك تحسين إدارة النفايات الصلبة ومياه الصرف الصحي، إلى جانب التخلص التدريجي من مركبات الهيدروفلوروكربون.

 144 مليون وفاة مبكرة يمكن تجنبها

بحسب التقرير، فإن التنفيذ الكامل للإجراءات الـ25 يمكن أن يؤدي، بحلول عام 2050، إلى تجنب 144  مليون حالة وفاة مبكرة مرتبطة بتلوث الهواء بشكل تراكمي، بينها نحو  96 مليون حالة مرتبطة بتلوث الهواء المحيط وحده.

كما يمكن أن يمنع مئات الملايين من حالات الإصابة بالأمراض المزمنة.

ويشير التقرير إلى أن بعض هذه الإجراءات يمكن أن تحقق فوائد صحية واقتصادية على المستوى الوطني خلال فترة لا تتجاوز مدة ولاية حكومية واحدة.

تلوث الهواء وأثره الصحي

يبرز التقييم التأثير الواسع لتلوث الهواء على الصحة والاقتصاد، مشيراً إلى أن تلوث الهواء الخارجي الناجم عن الأنشطة البشرية، بما في ذلك الجسيمات الدقيقة PM2.5  والأوزون، ارتبط بما يقدر بنحو 6.4  مليون وفاة مبكرة حول العالم خلال عام 2025.

كما ارتبط تلوث الهواء داخل المنازل بنحو مليوني وفاة مبكرة إضافية، من بينها نحو 300  ألف طفل.

ويشير التقرير كذلك إلى أن تلوث الهواء الخارجي ساهم خلال عام 2025 في نحو  5.5 مليون حالة جديدة من الربو لدى الأطفال، ونحو مليوني حالة جديدة من الخرف، إضافة إلى ملايين الحالات من أمراض القلب والسكري والسكتات الدماغية وسرطان الرئة وأمراض أخرى.

ويقول معدو التقرير إن التقييم الجديد يأخذ في الاعتبار نطاقاً أوسع من الآثار الاقتصادية للأمراض المرتبطة بتلوث الهواء، بما في ذلك الضغط على الأنظمة الصحية، والخسائر في الإنتاجية، والتأثيرات على الرفاه وجودة الحياة.

خفض الانبعاثات ودرجات الحرارة

إلى جانب المكاسب الاقتصادية والصحية، يمكن للإجراءات الـ 25، في حال تنفيذها بالكامل، أن تحقق تخفيضات كبيرة في انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري وملوثات الهواء.

ووفق التقرير، يمكن لهذه الإجراءات أن تؤدي إلى خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية إلى النصف بحلول عام 2050، وخفض انبعاثات الميثان بنحو 60 %، وتقليل الملوثات الرئيسية للهواء بنحو 70 %.

وتشمل هذه الملوثات الكربون الأسود وثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين.

كما يمكن لهذه الإجراءات أن تتجنب نحو 0.34  درجة مئوية من الاحترار العالمي بحلول عام 2050، ونحو 1.4 درجة مئوية بحلول عام 2100.

ويشير التقرير إلى أن ارتفاع درجة حرارة اليابسة يحدث بوتيرة أسرع من المتوسط العالمي، ولذلك يمكن أن يكون الاحترار الذي يتم تجنبه في معظم المناطق أكبر من المتوسط العالمي، وقد يصل إلى ما بين  1.5 و2 درجة مئوية بحلول عام 2100.

وبحلول نهاية القرن، يمكن أن تصبح انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في هذا السيناريو سالبة بصورة صافية، في حين يمكن خفض الملوثات الرئيسية للهواء بما يصل إلى 85 %.

دعوة إلى دمج سياسات المناخ والصحة والاقتصاد

خلص التقييم إلى أن التحديات الرئيسية أمام تنفيذ الإجراءات ليست في كثير من الحالات تقنية أو اقتصادية، وإنما مؤسسية.

ويدعو التقرير إلى دمج التخطيط المتعلق بالمناخ وجودة الهواء والصحة والاقتصاد، وتعزيز المؤسسات وقدرتها على إنفاذ السياسات، وتحسين التنسيق الحكومي، ومواءمة التمويل العام والخاص بصورة أفضل.

ويرى التقرير أن معالجة تغير المناخ وتلوث الهواء بصورة متكاملة لا تؤدي فقط إلى تقليل الانبعاثات وتحسين جودة الهواء، وإنما يمكن أن تحقق أيضاً مكاسب اقتصادية وصحية كبيرة، بما يجعل الاستثمار في هذه الإجراءات أحد المجالات ذات العوائد المرتفعة للحكومات والمستثمرين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى