نيبال تطالب بتمويل مناخي لإعادة الإعمار بعد كارثة الفيضانات

تستعد نيبال لطلب دعم مالي من الدول الغنية والمؤسسات الدولية، في محاولة لتأمين نحو 5 مليارات دولار تحتاج إليها في المرحلة الأولى من إعادة إعمار المناطق التي دمرتها الفيضانات والانهيارات الناجمة عن انهيار نهر جليدي في جبال الهيمالايا، واضعةً مفهوم العدالة المناخية في صلب مطالبتها بالتمويل.
وتقول الحكومة النيبالية إن الكارثة الأخيرة تجسد بصورة واضحة المفارقة التي تواجهها الدول النامية الأكثر هشاشة أمام تغير المناخ: فهي تسهم بنسبة محدودة للغاية في انبعاثات غازات الدفيئة العالمية، لكنها تتحمل أضراراً بشرية واقتصادية متزايدة نتيجة ظواهر مناخية وكوارث أصبحت أكثر خطورة.
وتعتزم كاتماندو عرض احتياجاتها المالية على الدول المانحة والمؤسسات الدولية خلال هذا الأسبوع، بما في ذلك البنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي، إضافة إلى حكومات الولايات المتحدة وبريطانيا والهند والصين واليابان والاتحاد الأوروبي، وفق مسؤولين نيباليين تحدثوا إلى رويترز.
كارثة خلفت آلاف القتلى والمفقودين
بدأت الكارثة في أواخر أغسطس/آب، عندما أدى انهيار جليدي في منطقة الهيمالايا إلى تدفقات مائية هائلة اجتاحت الوديان الواقعة أسفل المنطقة، مسببةً فيضانات وانهيارات طينية وصخرية واسعة النطاق.
وبحسب أحدث الأرقام التي أوردتها رويترز، أسفرت الكارثة عن مقتل أكثر من 1300 شخص، فيما لا يزال أكثر من 5300 آخرين في عداد المفقودين في نيبال ومنطقة التبت الصينية. كما دمرت المياه والانهيارات مساحات واسعة من البنية التحتية الحيوية.
ولم تقتصر الأضرار على المنازل والمنشآت المحلية، إذ جرفت الكارثة أكثر من 12 منشأة لتوليد الطاقة الكهرومائية، إلى جانب طرق وجسور وممرات للتجارة عبر الحدود ومساكن ومنشآت خدمية أخرى.
وتعرضت نيبال للجزء الأكبر من الأضرار، فيما امتدت تداعيات الكارثة إلى الجانب الصيني من الحدود، حيث سجلت أيضاً أعداد كبيرة من الضحايا والمفقودين.
خمسة مليارات دولار للمرحلة الأولى من التعافي
قدرت الحكومة النيبالية احتياجات المرحلة الأولى من إعادة الإعمار والتعافي بنحو 5 مليارات دولار.
ويغطي هذا المبلغ، وفق المسؤولين، احتياجات الأشهر الخمسة الأولى من مرحلة التعافي، بما في ذلك توفير المساكن المؤقتة، وإعادة تأهيل المدارس، وإصلاح البنية التحتية الأساسية، ومعالجة الأضرار التي لحقت بالمرافق والمنشآت الحيوية.
وقال المسؤول عن إدارة الكوارث في نيبال، دهارام راج أوبريتي، لرويترز إن تقدير الاحتياجات سيُشارك مع البنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي، إلى جانب سفارات الدول والكتل الاقتصادية التي ستوجه إليها نيبال طلباتها للحصول على الدعم.
لكن الحكومة لم تنته بعد من حصر جميع الأضرار والخسائر، ومن المتوقع أن يتضمن التقرير النهائي تقييماً أكثر تفصيلاً لحجم الخسائر واحتياجات إعادة الإعمار.
نيبال: هذه ليست مجرد كارثة فيضانات
تحاول الحكومة النيبالية نقل النقاش من مفهوم المساعدات الإنسانية بعد الكوارث إلى مفهوم أوسع يتعلق بـالمسؤولية والعدالة المناخية.
وقال أوبريتي إن حجم الكارثة يجعل من الصعب التعامل معها باعتبارها مجرد فيضانات، مضيفاً أن الحكومة تنظر إليها باعتبارها كارثة مرتبطة بتغير المناخ.
أما الجيولوجي براكاش بوخرل من الهيئة الوطنية للحد من مخاطر الكوارث وإدارتها، فقال إن نيبال تتوقع من المؤسسات الدولية والشركاء الاعتراف بطبيعة هذه الكوارث وتحمل جزء من المسؤولية عنها.
وتستند الحجة النيبالية إلى أن الدول الأكثر فقراً والأقل إسهاماً في الانبعاثات العالمية تواجه بشكل متزايد آثار الاحترار العالمي، من ارتفاع درجات الحرارة وذوبان الجليد إلى الفيضانات والانهيارات الأرضية والكوارث المرتبطة بالمياه.
وقال بوخرل إن نيبال لا تريد تحديد مقدار ما ينبغي على كل دولة دفعه، لكنها ترى أن تداعيات تغير المناخ يجب أن تكون مسؤولية مشتركة للمجتمع الدولي.
من يتحمل تكلفة أزمة المناخ؟
تضع نيبال مطالبتها في إطار النقاش العالمي المتصاعد حول «الخسائر والأضرار» الناجمة عن تغير المناخ.
ويستند هذا المفهوم إلى مبدأ أن الدول والمجتمعات التي تعرضت لأضرار مناخية كبيرة، رغم مساهمتها المحدودة في الانبعاثات التاريخية والحالية، تحتاج إلى دعم مالي لمواجهة الخسائر التي لا يمكن تفاديها بمجرد التكيف مع تغير المناخ.
وتشير الحكومة النيبالية إلى أن مساهمتها في الانبعاثات العالمية التاريخية والحالية ضئيلة للغاية، في حين تقع مسؤولية نسبة كبيرة من الانبعاثات العالمية على الاقتصادات الكبرى.
وتأتي الصين والولايات المتحدة والهند ضمن أكبر الدول المصدرة لانبعاثات غازات الدفيئة عالمياً، بينما تقول نيبال إن مساهمتها في الانبعاثات العالمية محدودة للغاية.
ولا تقتصر المسألة على الأموال اللازمة لإعادة بناء ما دمرته الفيضانات الحالية، بل تمتد إلى سؤال أكبر: من سيمول حماية الدول شديدة الهشاشة من الكوارث المناخية التي قد تصبح أكثر تكراراً وشدة؟
تجربة باكستان تثير مخاوف من بطء التمويل
لكن أمام نيبال عقبة رئيسية، تتمثل في تجربة دول أخرى تعرضت لكوارث واسعة وحصلت على تعهدات مالية دولية لم تصل بالسرعة أو بالشكل المتوقع.
وتستشهد رويترز بتجربة باكستان بعد الفيضانات الكارثية التي ضربتها عام 2022، عندما حصلت إسلام آباد على تعهدات دولية بنحو 11 مليار دولار من شركاء دوليين، بينهم البنك الإسلامي للتنمية والسعودية.
لكن نحو 42% من تلك التعهدات، أي قرابة 4.6 مليارات دولار، خصصت لاستيراد النفط من جانب شركاء دوليين، بدلاً من توجيهها مباشرة إلى إعادة بناء المناطق التي دمرتها الفيضانات.
وبحلول مطلع عام 2024، كانت الحكومة الباكستانية تقدر أن نحو 3.4 مليارات دولار فقط من التعهدات قد صُرفت فعلياً، فيما بلغ التمويل المخصص للنفط نحو 1.45 مليار دولار من الأموال المصروفة.
وتخشى نيبال بالتالي من أن تتكرر الفجوة بين التعهدات المالية المعلنة والأموال التي تصل فعلياً إلى مشاريع التعافي وإعادة الإعمار.
كارثة تضرب اقتصاداً يعتمد على الطاقة الكهرومائية
تكتسب الأضرار التي لحقت بمنشآت الطاقة أهمية خاصة بالنسبة إلى نيبال، التي تعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة الكهرومائية باعتبارها أحد أهم قطاعات اقتصادها ومصدر الطاقة الرئيسي لتوسيع إنتاج الكهرباء.
وقد أدت الفيضانات والانهيارات إلى تدمير أو إلحاق أضرار بعدد من منشآت الطاقة الكهرومائية، ما يضيف عبئاً اقتصادياً جديداً إلى تكاليف إعادة إعمار الطرق والجسور والمساكن والمنشآت العامة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن البنية التحتية الكهرومائية التي أقيمت للتعامل مع مخاطر الفيضانات التقليدية قد تواجه تحديات جديدة عندما تكون الكارثة مرتبطة بانهيارات جليدية وتدفقات ضخمة من المياه والصخور والطين.
وكانت كارثة أغسطس قد أظهرت، وفق تقارير أخرى، مدى صعوبة التنبؤ بحجم التدفقات الناجمة عن انهيارات الأنهار الجليدية، خصوصاً في ظل تغير الظروف المناخية في منطقة الهيمالايا.
الهيمالايا في قلب أزمة مناخية متسارعة
وتعيد الكارثة النيبالية تسليط الضوء على المخاطر المتزايدة التي تواجهها منطقة الهيمالايا نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وتغير سلوك الأنهار الجليدية.
وتشكل الجبال والأنهار الجليدية في المنطقة مخزناً طبيعياً هائلاً للمياه، لكن ارتفاع الحرارة يؤدي إلى تغيرات متسارعة في الجليد والثلوج، ما يزيد المخاطر المرتبطة بانهيار الكتل الجليدية والفيضانات المفاجئة الناجمة عن البحيرات الجليدية أو انهيار الأنهار الجليدية.
وتزداد أهمية هذه المخاطر في منطقة تضم مجتمعات جبلية واسعة، إلى جانب بنية تحتية حيوية مثل الطرق والجسور ومحطات الطاقة الكهرومائية.
وفي ظل هذه الظروف، لا تقتصر الحاجة إلى التمويل على إعادة بناء ما دمرته الكارثة، بل تشمل أيضاً الاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر، ومراقبة الأنهار الجليدية، وتحسين التخطيط العمراني، وتطوير بنية تحتية أكثر قدرة على تحمل الكوارث المستقبلية.
نيبال تستعد لطرح القضية أمام الأمم المتحدة
تأتي حملة نيبال للحصول على التمويل الدولي قبل كلمة مرتقبة لرئيس الوزراء باليندرا شاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 سبتمبر/أيلول.
ومن المتوقع أن يستخدم شاه المنبر الدولي للدعوة إلى زيادة الدعم للدول النامية المعرضة بصورة خاصة لتغير المناخ، وتسليط الضوء على الفجوة بين مساهمة هذه الدول المحدودة في الأزمة المناخية وحجم الأضرار التي تتحملها.
ويمنح توقيت الكارثة نيبال فرصة لربط قضية إعادة الإعمار المحلية بالنقاش الدولي الأوسع حول تمويل المناخ والعدالة المناخية والخسائر والأضرار.
لكن نجاح هذا التحرك سيعتمد على قدرة الحكومة النيبالية على تحويل المطالبة السياسية إلى خطة تمويل واضحة، وعلى استعداد الدول والمؤسسات الدولية لتوفير أموال يمكن الوصول إليها بسرعة وتوجيهها مباشرة إلى التعافي وإعادة البناء.
من الإغاثة إلى بناء القدرة على الصمود
وتشير تجربة نيبال إلى تحول مهم في طبيعة النقاش حول تمويل الكوارث المناخية.
فالمطلوب لم يعد مجرد تقديم مساعدات طارئة بعد وقوع الكارثة، وإنما توفير تمويل يساعد الدول المعرضة للمخاطر على تقليل الخسائر قبل وقوع الكوارث، والاستعداد لها، وإعادة بناء البنية التحتية وفق معايير أكثر قدرة على تحمل الظروف المناخية المستقبلية.
وبالنسبة إلى نيبال، يعني ذلك إعادة التفكير في تصميم الطرق والجسور ومحطات الطاقة والمساكن في المناطق الجبلية، وتعزيز مراقبة الأنهار الجليدية، وتحسين أنظمة الإنذار والإجلاء، إلى جانب ضمان وصول التمويل إلى المجتمعات الأكثر تضرراً.
وتضع كارثة أغسطس الحكومة النيبالية والمجتمع الدولي أمام اختبار مزدوج: إعادة بناء ما دمرته الفيضانات، والاستعداد لكوارث قد تصبح أكثر شدة في عالم يزداد احتراراً.
وفي الوقت الذي تطالب فيه كاتماندو بنحو 5 مليارات دولار للمرحلة الأولى من التعافي، فإن القضية التي تريد طرحها أمام المانحين تتجاوز هذا الرقم بكثير: هل يتحول مفهوم العدالة المناخية من مبدأ سياسي متداول في المؤتمرات الدولية إلى آلية فعلية وسريعة لتمويل الدول التي تواجه أكبر مخاطر تغير المناخ رغم مساهمتها المحدودة في أسبابه؟



