شكوى بيئية ضد المفوضية الأوروبية بشأن مراجعة تشريعات حماية المياه

قدمت منظمات بيئية، من بينها الصندوق العالمي للطبيعة (WWF) والمكتب الأوروبي للبيئة (EEB) ، شكوى رسمية إلى أمين المظالم الأوروبي ضد المفوضية الأوروبية، اعتراضاً على خططها لتعديل تشريعات رئيسية في الاتحاد الأوروبي تتعلق بحماية المياه، معتبرة أن المفوضية لم تجمع الأدلة اللازمة ولم تُجرِ مشاورات كافية مع الجهات المعنية قبل المضي في عملية المراجعة.

وتأتي الشكوى في وقت تدفع فيه المفوضية الأوروبية باتجاه تبسيط عدد من القواعد البيئية للاتحاد الأوروبي، في إطار توجه أوسع يهدف إلى تخفيف الأعباء التنظيمية وتسريع إجراءات إصدار التصاريح للمشروعات الصناعية، وسط ضغوط متزايدة من قطاعات صناعية، ولا سيما قطاعي التعدين والمعادن، التي تقول إن القواعد البيئية الحالية تؤدي إلى إبطاء تنفيذ مشروعات صناعية تعتبرها أوروبا استراتيجية.

وتتهم المنظمات البيئية المفوضية الأوروبية بـسوء الإدارة في الطريقة التي تعاملت بها مع عملية مراجعة التشريعات الخاصة بالمياه، وتقول إن المفوضية أعلنت عن خطط لتغيير القواعد قبل أن تجمع ما يكفي من الأدلة لإثبات الحاجة إلى هذه التغييرات.

اعتراض على مراجعة قوانين حماية المياه

تركز الشكوى بصورة خاصة على خطط المفوضية الأوروبية لإعادة النظر في التشريعات الأساسية التي تحكم حماية موارد المياه في الاتحاد الأوروبي.

وترى المنظمات مقدمة الشكوى أن المفوضية لم تقدم أدلة كافية على أن القواعد الحالية تمثل العقبة الرئيسية أمام تسريع إجراءات منح التصاريح للمشروعات الصناعية، كما تعترض على الطريقة التي أُديرت بها عملية إعداد مقترحات التعديل.

وبحسب هذه المنظمات، فإن تشريعات المياه الأوروبية القائمة ليست السبب الرئيسي وراء التأخير في إجراءات الحصول على التصاريح، خلافاً لما توحي به الحجج التي تستخدمها الجهات الداعية إلى تخفيف هذه القواعد.

وقالت المنظمات إن المفوضية كان ينبغي أن تجمع الأدلة وتستشير أصحاب المصلحة قبل الإعلان عن توجهها إلى تعديل التشريعات، بدلاً من اتخاذ قرار المراجعة في وقت مبكر ثم البحث لاحقاً عن مبررات له.

ضغوط صناعية لتسريع التراخيص

تأتي هذه الخطوة في سياق ضغوط متزايدة من قطاعات صناعية في أوروبا، وخصوصاً قطاعات التعدين والمعادن، لتقليص الوقت الذي تستغرقه إجراءات الحصول على التصاريح البيئية.

وتقول الشركات والجهات الصناعية إن القواعد والإجراءات البيئية المعقدة يمكن أن تؤخر تنفيذ مشروعات مرتبطة بالمواد الخام والمعادن التي يحتاج إليها الاتحاد الأوروبي لتحقيق أهدافه في مجال الاستقلال الاستراتيجي وتقليل اعتماده على الواردات.

وتسعى المفوضية الأوروبية، من خلال ما يعرف بنهج «أومنيبوس» (Omnibus)، إلى تبسيط مجموعة من القواعد والإجراءات التنظيمية في مجالات مختلفة، بما في ذلك بعض التشريعات البيئية.

وتقول المفوضية إن هدف هذه العملية هو تقليل الأعباء الإدارية وتحسين القدرة التنافسية الأوروبية، في وقت تواجه فيه الشركات الأوروبية منافسة دولية وضغوطاً مرتبطة بتكاليف الإنتاج والاستثمار.

لكن المنظمات البيئية تحذر من أن استخدام هدف تبسيط القواعد وتسريع التراخيص قد يؤدي عملياً إلى إضعاف الضمانات البيئية القائمة.

المنظمات: القواعد الحالية ليست سبب تأخير التصاريح

ترى الجهات البيئية التي تقدمت بالشكوى أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في مستوى الحماية الذي توفره قوانين المياه الأوروبية، وإنما في طريقة تنفيذ القواعد وتطبيقها على المستوى الوطني.

وبالتالي، فإن تغيير التشريعات الأساسية لحماية المياه بهدف معالجة مشكلات التأخير في إصدار التصاريح قد لا يعالج الأسباب الفعلية لهذه التأخيرات.

وتقول المنظمات إن المفوضية الأوروبية كان عليها أولاً تحديد العقبات الفعلية التي تؤخر إجراءات الترخيص، ثم تقييم ما إذا كانت هناك حاجة إلى تعديل التشريعات، بدلاً من افتراض أن القواعد البيئية نفسها هي المشكلة.

كما ترى أن أي تعديل لتشريعات المياه يجب أن يستند إلى تقييم قائم على الأدلة، وأن يخضع لمشاورات كافية مع الجهات المتأثرة، بما في ذلك المجتمع المدني والجهات العلمية وأصحاب المصلحة الآخرين.

شكوى أمام أمين المظالم الأوروبي

وتطالب الشكوى المرفوعة إلى أمين المظالم الأوروبي بفحص الطريقة التي تعاملت بها المفوضية مع عملية مراجعة التشريعات.

ويتمثل دور أمين المظالم الأوروبي في النظر في الشكاوى المتعلقة بسوء الإدارة داخل مؤسسات وهيئات الاتحاد الأوروبي.

ومن المقرر أن يقرر أمين المظالم ما إذا كان سيفتح تحقيقاً في القضية، وهي عملية قد تستغرق عدة أسابيع.

ولا يمتلك أمين المظالم سلطة تنفيذية مباشرة لإجبار المفوضية الأوروبية على تغيير سياساتها، لكنه يستطيع إصدار توصيات وملاحظات، كما يمكن لتحقيقاته أن تزيد التدقيق العام والمؤسسي في طريقة اتخاذ المفوضية للقرارات.

وتأتي الشكوى الجديدة بعد أن تدخل أمين المظالم الأوروبي في العام السابق في قضية أخرى تتعلق بطريقة تعامل المفوضية مع تغييرات سريعة في قواعد الاستدامة، وطالبها بتبرير استخدامها لمسار سريع في تعديل بعض التشريعات.

المفوضية: المشاورات ما زالت مستمرة

من جانبها، قالت متحدثة باسم المفوضية الأوروبية إن عملية التشاور مع أصحاب المصلحة لا تزال مستمرة، وإن المفوضية لم تكن قد أُبلغت بالشكوى في وقت نشر التقرير.

وتعني هذه المواقف أن النزاع الحالي لا يتعلق فقط بمضمون التعديلات المقترحة، وإنما أيضاً بالطريقة التي اتبعتها المفوضية للوصول إلى قرار مراجعة التشريعات.

فالمنظمات البيئية تشكك في كفاية الأدلة التي سبقت القرار، بينما تؤكد المفوضية أن العملية لم تنته بعد وأن المشاورات مع الجهات المعنية مستمرة.

صراع أوسع حول مستقبل التشريعات البيئية الأوروبية

وتأتي الشكوى في إطار نقاش أوسع داخل الاتحاد الأوروبي حول مستقبل السياسة البيئية الأوروبية، في ظل محاولة تحقيق توازن بين الحفاظ على مستوى مرتفع من حماية البيئة وتسريع الاستثمار الصناعي وتعزيز القدرة التنافسية.

وقد أصبحت مسألة تبسيط التشريعات البيئية جزءاً من نقاش أوسع بشأن قدرة أوروبا على تنفيذ مشروعات جديدة في مجالات التعدين والطاقة والصناعة والبنية التحتية بالسرعة المطلوبة، خصوصاً مع سعي الاتحاد إلى تقليل اعتماده على الخارج في عدد من المواد الخام الاستراتيجية.

وتخشى المنظمات البيئية، في المقابل، من أن تتحول عملية «التبسيط» إلى وسيلة لتخفيف المعايير البيئية بدلاً من إزالة الإجراءات الإدارية غير الضرورية.

ويكتسب ملف المياه أهمية خاصة في هذا السياق، نظراً إلى أن التشريعات الأوروبية المتعلقة بحماية المياه تشكل أحد الأعمدة الرئيسية للسياسة البيئية في الاتحاد الأوروبي، وتهدف إلى حماية الأنهار والبحيرات والمياه الجوفية والمسطحات المائية الساحلية وتحسين حالتها البيئية.

وتقول المنظمات البيئية إن أي تعديل لهذه القواعد يجب أن يحافظ على مستوى الحماية القائم، وأن يستند إلى أدلة علمية واضحة وتقييم فعلي للآثار المحتملة.

خطوة جديدة في مواجهة سياسات «التبسيط»

ويُنظر إلى الشكوى الجديدة باعتبارها اختباراً إضافياً لطريقة إدارة المفوضية الأوروبية لعملية تخفيف الأعباء التنظيمية.

فبينما تعتبر المفوضية أن تبسيط القواعد يمكن أن يساعد الشركات الأوروبية على الاستثمار والنمو وتسريع تنفيذ المشروعات، تخشى المنظمات البيئية من أن يؤدي تقليص المتطلبات أو إعادة صياغة القواعد إلى إضعاف الرقابة البيئية في وقت تواجه فيه الموارد الطبيعية الأوروبية ضغوطاً متزايدة.

ويبقى القرار الآن لدى أمين المظالم الأوروبي بشأن فتح تحقيق رسمي في الشكوى، في حين تستمر المفوضية الأوروبية في عملية التشاور بشأن التغييرات المقترحة على تشريعات المياه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى