لجنة المالية تُقر ميزانية البرلمان 2027 وتصدق على قرض خارجي

استهلت اللجنة أشغالها بالاستماع إلى ممثل وزارة المالية حول مشروع ميزانية مجلس نواب الشعب لسنة 2027، في إطار أحكام القانون الأساسي للميزانية وإجراءات إعداد ومناقشة ميزانيات الهياكل الدستورية والإدارية والمالية المستقلة. وذكر رئيس اللجنة بمقتضيات الفصل 44 من القانون الأساسي للميزانية، الذي ينظم مسار إعداد ومناقشة ميزانيات الهياكل المستقلة، ومنها مجلس نواب الشعب. ويوجب هذا الفصل إحالة مشاريع الميزانيات إلى رئيس الحكومة قبل موفى شهر أفريل من كل سنة لإبداء الرأي خلال شهر، ثم إحالتها إلى الهيكل المعني واللجان البرلمانية المختصة لمناقشتها بحضور ممثل عن وزير المالية قبل موفى شهر جوان. كما أشار إلى أن المشرع خوّل للهيكل المعني، عند وجود خلاف حول الاعتمادات، اللجوء للتحكيم أمام لجنة المالية والميزانية.
لاحظ رئيس اللجنة أن هذا المسار الإجرائي لم يحترم، إذ لم تُحل مشاريع الميزانيات إلى اللجان المختصة وفق الآجال والإجراءات القانونية، مما حال دون ممارسة اللجنة لاختصاصها الرقابي والاستشاري في التوقيت المحدد.
استعرضت ممثلة وزارة المالية ملاحظات الوزارة حول تنفيذ ميزانية مجلس نواب الشعب لسنة 2025، وقدمت معطيات حول تقدم تنفيذ ميزانية 2026 حتى موفى جوان، وأهم الملاحظات على مشروع ميزانية المجلس لسنة 2027 من حيث تطور الاعتمادات وانسجامها مع المؤشرات المالية لمشروع ميزانية الدولة. وبعد التداول، اتفق الأعضاء على برمجة جلسة ثانية لمواصلة النظر في مشروع ميزانية مجلس نواب الشعب بحضور ممثلين عن إدارة المجلس لاستكمال الجوانب الفنية والإدارية.
انتقلت اللجنة بعدها إلى النقطة الثانية من جدول الأعمال: الاستماع إلى وزيرة المالية وممثلة عن البنك المركزي التونسي حول مشروع القانون المتعلق بالموافقة على الملحق التعديلي عدد 2 لعقد القرض مع البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد، والمخصص لتمويل جزء من ميزانية الدولة. أثار رئيس اللجنة إشكاليات قانونية وإجرائية حول الجهة التي تمثل الدولة في إبرام العقد، متسائلاً عن سلامة تفويض وزارة المالية للدولة ومحافظ البنك المركزي صلاحية إمضاء عقد القرض. وأوضح أن أغلبية الأعضاء رأوا عدم التوسع في النقاش في غياب محافظ البنك المركزي لكونه الطرف الممضي للاتفاقية.
أوضحت المديرة العامة للمالية الخارجية بالبنك المركزي التونسي أن إسناد البنك المركزي مهمة إبرام عقود القروض الخارجية يتم بموجب توكيل من وزارة المالية ضمن آلية مؤسساتية معمول بها منذ سنوات، وتنفيذاً للتراخيص بقوانين المالية المتعاقبة. وأكدت وزيرة المالية أن القرض يدخل ضمن الموارد المبرمجة بقانون المالية لسنة 2026، مبينة أن الفصل 32 من القانون عدد 35 لسنة 2016 يخول لوزير المالية تفويض البنك المركزي لإبرام عقود القروض مع المؤسسات المالية الأجنبية باسم الدولة وحسابها، في حدود الاعتمادات والتراخيص بقانون المالية. وأضافت أن المديرين العامين بوزارة المالية يتولون إدارة المفاوضات الفنية، بينما يتولى البنك المركزي كوكيل عن الدولة إبرام عقود القروض السيادية.
أوضحت الوزيرة أن القرض يندرج ضمن التعاون المالي بين تونس والبنك الإفريقي للتصدير والاستيراد منذ سنة 2022، وتواصل خلال 2024 و2025، وأن الاتفاقية الإطارية تُحيّن عبر ملاحق تعديلية مع كل عملية اقتراض جديدة. انطلقت المفاوضات في أكتوبر 2025 واستمرت حتى فيفري 2026، وأسفرت عن تخفيض نسبة الفائدة من 9.45% إلى 5.86%. وتبلغ قيمة القرض 500 مليون دولار أمريكي، ويهدف إلى تعبئة الموارد لتمويل ميزانية الدولة، وتعزيز احتياطي العملة الأجنبية، ودعم تمويل واردات المواد الأساسية، وتوفير تمويلات للاستثمار والمشاريع التنموية ضمن مخطط التنمية 2026-2030. كما أشارت إلى أن الدولة خلصت بتاريخ 14 جويلية 2026 قرضاً خارجياً بقيمة 740 مليون يورو، مما استوجب تعبئة موارد جديدة للحفاظ على التوازنات المالية.
أشارت الوزيرة إلى أن مجلس إدارة البنك المركزي صادق على القرض في 18 مارس 2026، وصودق على مداولاته بالأمر الرئاسي عدد 108 لسنة 2026 المؤرخ في 8 جوان 2026، مؤكدة أن الموافقة النهائية تبقى من اختصاص مجلس نواب الشعب. ونفت وجود تعمد في تأخير عرض المشروع، معتبرة أن طول المفاوضات والإجراءات القانونية فرض هذا التوقيت. وأكدت أن تونس تحافظ على مصداقيتها لدى المقرضين بالتزامها بسداد ديونها في آجالها، مع توقع تراجع تدريجي في خدمة الدين بدءاً من 2028.
خلال النقاش، اعتبر رئيس اللجنة أن التمويلات الحالية تغطي حاجيات آنية أكثر من الاستثمار المنتج، مما يعالج النتائج لا الأسباب الهيكلية للاختلالات. وأشار إلى صعوبة شروط الاقتراض الخارجي وتغير نظرة المؤسسات المانحة للاقتصاد التونسي، لكنه أكد مساندة اللجنة لمجهودات الحكومة في تعبئة الموارد، مع التشديد على أن نمواً لا يتجاوز 2% لن يحقق الأهداف التنموية. وأضاف أن اللجنة لا تعارض جهود الحكومة، لكن مسؤوليتها الرقابية تستوجب دراسة مشاريع القوانين بناءً على معطيات دقيقة ومحينة. لذلك، اعتبر أنه لا توجد مبررات للاستعجال في النظر في مشروع القانون، خاصة في غياب طلب رسمي وغياب العناصر اللازمة لتقييم انعكاسات الاقتراض.
اقترح تأجيل دراسة المشروع إلى أكتوبر المقبل، لحين تقديم تقرير تنفيذ ميزانية الدولة للسداسي الأول لسنة 2026 ومعطيات كمية حول انعكاسات الحرب الإيرانية والتوترات الجيوسياسية على الميزانية، خاصة أسعار المحروقات ونفقات الدعم وحاجيات التمويل. وشدد أعضاء اللجنة على ضرورة التنسيق بين الوظيفتين التشريعية والتنفيذية لتحقيق الأهداف التنموية وتمكين الرأي العام من المعلومة، وأهمية المنهج التشاركي في معالجة التحديات الاقتصادية، خاصة مع الاستحقاقات التشريعية مثل مشروع مجلة الصرف.
عبر نواب عن استغرابهم من ارتباط القرض بوديعة للبنك الإفريقي للتصدير والاستيراد، ورأوا أن الوضعية المالية تستوجب حلولاً هيكلية تركز على تحسين مناخ الأعمال وتحفيز الاستثمار وتعزيز الاعتماد على الذات والحد من الاقتراض، مشيرين إلى تراجع ترتيب تونس في الاستثمار دولياً.
في ردها، أكدت وزيرة المالية أن الحكومة طلبت استعجال النظر في المشروع للحفاظ على التوازنات المالية العامة، وليس فقط لضمان أيام التوريد أو احتياطي الصرف. وأوضحت أنه بعد تسديد قسط مالي كبير، أصبح من الضروري تأمين الموارد حتى أكتوبر 2026، مما استدعى طلب الاستعجال لاستكمال المسار التشريعي قبل العطلة البرلمانية. كما تطرقت إلى أهمية العمل التشاركي بين السلطتين، وخصوصية السنة الحالية مع تقدم تنفيذ الميزانية وتداعيات التوترات الجيوسياسية.
وبخصوص مشاريع القوانين الاقتصادية، ذكرت الوزيرة أن إعداد مشروع مجلة الصرف يتم بتنسيق بين البنك المركزي ووزارة الاقتصاد والتخطيط وهياكل أخرى، لإصلاح شامل في مجال الصرف، واقترحت تأجيل مناقشته إلى بداية السنة المقبلة بعد الانتهاء من قانون المالية. كما فنّدت التقييمات السلبية لبعض مؤسسات التصنيف وصندوق النقد الدولي، وقدمت معطيات رقمية عن تطور نسبة الاستثمار الإجمالي إلى 15.5% في 2025، متوقعة 16% في 2026، موضحة أن الاحتساب يعتمد على الاستثمارات المنجزة فعلياً. وأشارت إلى ارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 25.5% خلال الأشهر الأولى من 2026، وزيادة الاعتمادات المخصصة للاستثمار في ميزانية الدولة.
بعد استكمال النقاش، صادقت لجنة المالية والميزانية على مشروع القانون بأغلبية أعضائها الحاضرين، وفق بلاغ صادر اليوم الثلاثاء عن البرلمان.



